تاريخيا لا نعلم شيئا عن شخصية “كسيلة” إلا ما اتصل من أخبارها بأخبار عقبة بن نافع، كسيلة شخصية شبه خرافية تبعا لكون الروايات التي وجدت فيها أشبه بالقصص الشعبي الذي حكي عن أهل مصر بالأساس، كأنما كان كسيلة هو المبرر الدرامي لمقتل عقبة الذي أريد أسطرته، خاصة وأن أبناء عقبة قد حكموا المنطقة لعقود، وقد ظهر كسيلة في أقدم رواية إسلامية تذكر مقتل عقبة بن نافع، وهي رواية الليث بن سعد المصري.
بينما يجري اليوم اختراع تاريخ جديد لهذه الشخصية ابتداءا من تسمية لم ترد تاريخيا “أكسل” وهو اسم منحول حديثا لا علاقة له بالشخصية، بل هناك احتمالات أخرى للإسم مثل: “كوسيليوس، سيسيليوس” وهي أسماء كان لها انتشارها في افريقيا الرومانية، ومن ثم جرى تطوير غايات هذه الشخصية على أسس غير واقعية لم توجد في قيم ومفاهيم ذلك العصر، عصر القبائل والإمبراطوريات!
ولا تحدثنا الروايات القديمة عن علاقة حسنة أو خاصة بين كسيلة/ كوسيليوس وبين أبي المهاجر، فهذا تعديل لاحق لا أصل له، بل إن كثيرا من الروايات تذكر أنه كان نصرانيا، وهناك الكثير من الروايات تشير إلى نفاذ كلمته على الروم والبربر، مما يعني أن الرجل كان بربريا مترمونا، أو من أصول رومية وهذا لم يكن غريبا في المنطقة، فقد وُجدت نقوش تصف “مازونا” وهو زعيم إمارة بربرية صغيرة تسمى “ألطافا/ ألتافا” بأنه “ملك المور والرومان”، علما بأن هذه المملكة نصرانية موالية للبيزنطيين، حتى خلال اقتتالاتهم مع البربر كما حدث خلال ثورة إيباداس، حيث انحاز زعماء التافا إلى البيزنطيين.
لا تحدثنا روايات ابن عبد الحكم وكذلك ما تبقى من رواية الواقدي عن إسلام كسيلة بينما يحدثنا عن ابن الكاهنة/ كسيلة كزعيم قبلي نصراني انتهز فرصة تفريق عقبة بن نافع لجيشه ومن ثم قتله بالتعاون مع الروم، بينما يرى ابن خلدون أنهم الفرنجة، والراجح أن الفرنجة هنا هم الوندال، فلعل ابن خلدون كان يرى أن لهم بقية في أفريقية، وفي ذات السياق يرجح الباحث حاجي ياسين رابح أن الكثير من الإمارات البربرية المحلية خاصة الجنوبية منها كانت حليفة لملوك الوندال، إلا أننا من الصعب أن نصدق أن المجموعة التي قاتلت تحت لواء كوسيليوس كانت وندالية بربرية، ذلك أن البيزنطيين قد قاموا بغارات بحرية بعد مقتله نجم عنها مقتل القائد زهير بن قيس البلوي، فيغلب على الظن أنه إنما كان يتعاون مع البيزنطيين لا غيرهم، وقد ذهب إلى هذا الرأي عدد من الباحثين الغربيين.
على كل حال يخبرنا الواقدي وابن عبد الحكم عن الحادثة بهذا الشكل: “عرض له كسيلة بن لمزم الأوربي في جمع كثير من البربر والروم، وكان قد بلغه افتراق الناس عن عقبة بن نافع” فالروايات القديمة لا تذكر شيئا عن علاقة القائد أبي المهاجر الحسنة بكسيلة، والراجح أن العرب عاملوا كسيلة بذات الطريقة التي تعاملوا بها مع الدهاقنة في المشرق.
فقد كان العرب في فارس وخراسان يسندون مهمة الإشراف على الجباية وجمع الضرائب وتزويد الجيوش المغيرة على المناطق المراد فتحها بالمؤن لمجموعة أعيان ونبلاء محليين كانوا بدورهم ضمن هياكل إدارية للممالك السابقة، وهم الدهاقنة وفيما بعد الفتح كانوا يمثلون وسيطا بين السكان المحليين والإدارة العسكرية العربية، ولم يشترط على الدهقان الإسلام، بل كان معظمهم على وثنيتهم في خراسان وغيرها.
فلا يبعد أن تكون علاقة كسيلة مع الجيوش العربية مماثلة لعلاقة الدهاقين بهم، خاصة إن صدقت التوقعات التي تنسب كسيلة إلى التافا، وهي إمارة كانت تتولى شؤونا جبائية لصالح البيزنطيين، وهو ما يفسر الروايات العربية التي تتكلم عن جموع رومية وبربرية بقيادة كسيلة/ كوسيليوس، مع العلم أن بعض الباحثين في علم الآثار أفاد بأن كوسيليوس كان جابيا مواليا للبيزنطيين بناء على وثائق عثر عليها في ألتافا.[لم أتمكن من العثور على هذه النقوش].
بالمجمل يبدو أن كسيلة/ كوسيليوس كان نبيلا مسيحيا من زعماء ألتافا المسيحية المورية المترومنة، أو ملكا عليها، وقع في الأسر، ومن ثم تعاون مع العرب في بداية الانسياح في المنطقة، كمثل الدهقان في خراسان، وبعد ذلك انتهز تفرق الجيوش عن عقبة وراسل البيزنطيين ليشعل تمردا أدى إلى مقتل عقبة، ومن المفيد أن نعرف أن قرطاج في ذلك الوقت كانت لا تزال تحت السيطرة البيزنطية، وبالتالي فقد وضع تمرد كسيلة العرب بين فكي كماشة، كما كان انشغال دمشق بتمرد ابن الزبير الكبير حائلا دون إمدادهم، مما جعل زهيرا ينسحب بقواته إلى ليبيا الحالية، وفي رواية أن زهيرا عاود الهجوم على كوسيليوس وقتله بعد عام واحد، بينما تجعلها روايات أخرى خمس سنوات.
سياق القصة في الحقيقة يظهر تنافسا امبراطوريا عربيا بيزنطيا كان الزعماء المحليون يسعون إلى الإفادة منه، فمنهم الحليف للبيزنطيين ومنهم الحليف للعرب، فلم يكن البربر موحدين ضد العرب كما قد يظن لأول وهلة، فكثير من قبائل زناتة مثل قبيلة مغراوة كانت حليفة لعقبة بن نافع في حملاته التي وصلت إلى السواحل، ولزهير وحسان من بعده، بينما كان كوسيليوس مواليا للبيزنطيين، ويبدو أن دخوله في طاعة العرب بشكل مؤقت محض مناورة سياسية، أما قضية إسلامه فهي إضافة لاحقة، لم تأت على ذكرها المرويات الأقدم، التي تتحدث بصراحة عن نصرانيته، أما الروايات التي تجعل الخلاف بين هذه الشخصيات شخصيا محضا، فرأيي أنها تنتمي إلى عالم الأساطير.
هذا التنافس العربي البيزنطي على أفريقية لم يحسم نهائيا إلا عندما غزا موسى بن نصير الأندلس وبث حملاته البحرية في جزر البحر الأبيض المتوسط، كما شكل حصار مسلمة بن عبد الملك على القسطنيطينة الضربة القاضية لآمال البيزنطيين في العودة إلى أفريقية.









