في الحروب الأهلية الحاسمة عبر التاريخ قد تصل المعارك إلى حالة من الجمود العسكري تضطر الأطراف إلى اللجوء للتفاوض بدل الاستنزاف المتبادل. وفي مثل هذه الحالات، غالبًا ما تُفرض التنازلات على الطرف الأضعف ميدانيًا، بينما يملي الطرف الأقرب إلى النصر شروطه أو يفاوض من موقع قوة.
غير أن قراءة التاريخ الإسلامي لا تأتي دائمًا على هيئة عرض محايد للوقائع، بل كثيرًا ما تتشكل ضمن سياقات حجاجية صاغتها أوساط دينية سعت إلى مواءمة الأحداث مع تصوراتها العقدية. لذلك ينبغي تجريد المرويات من صيغتها الاحتجاجية.
يمكن ملاحظة أن بعض الروايات الشيعية تميل إلى إعادة بناء سياق الأحداث بطريقة تُخفف من مسؤولية أبي التراب علي بن أبي طالب عن قرارات يُنظر إليها على أنها إخفاقات، وكانت وبالا على الحركة الشيعية الأولى وذلك عبر إنتاج سرديات تبريرية تُعيد توزيع أسباب الفشل على عوامل خارجية أو ظروف قاهرة.
رواية أبي مخنف في قصة التحكيم وردت كرد فعل على اتهامات الخوارج وهي مليئة بالتناقضات، فهو ينفرد (مع تلميذه عمر بن سعد الأسدي المجهول الذي ينسخ أخباره عنه) بأن الخوارج حكموا في بادئ أمرهم، ثم كفروا عليا لذلك… وهذا مضحك فالمحكمة/الخوارج كانوا جماعة متصلبة دينيا ويرون قتال “الفئة التي تبغي” حدا كحد السرقة والزنا وغيرها من الحدود، تركه في اعتقادهم ترك للحكم بما أنزل الله، لذلك قالوا لعلي تحكم في دين الله الرجال، فمن الصعب أن نصدق أن هذه الجماعة ستغير اراءها بهذه السرعة في نفس الموقف وتناصر التحكيم ثم تعود لتكفير علي على التحكيم نفسه!
ومعظم الروايات تذكر انهم معترضون منذ البداية على التحكيم، منها رواية عمرو بن شمر وهو شيعي، ورواية مجالد بن سعيد عن الشعبي وروايات أخرى لا تذكر أي دور للخوارج في فرض التحكيم بل تطلق الوصف بأنهم معارضون لوقف الحرب منذ البداية. والقول بأن عليا كان مكرها محض محاولة لإخلاء مسؤوليته من نتائج التحكيم.
وقد ورد في إحدى روايات نصر بن مزاحم في وقعة صفين عن أبي وائل شقيق بن سلمة: «جاءت عصابة من القراء قد سلوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما تنتظر بهؤلاء القوم أن نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق» فلم يجبهم علي إلى طلب الاستمرار في القتال.


وورد في رواية أخرى لأبي مخنف نفسه أن أول من حكم عروة بن أدية بعد انتهاء المفاوضات مع معاوية وقراءة كتاب القضية عليهم وتنازلات علي التي قدمها، فهو يحاول في رواية أن يبرر تنازلات علي بحدوث الانشقاق بينما تثبت روايات أخرى له ولغيره أن الخوارج لم ينشقوا إلا بعد أن تنازل علي!
وقد جاء أن عليا استخف بعدد الخوارج فلم يعرهم انتباها لما كتب كتاب الصلح الذي تنازل فيه فوجئ بتنامي رافضي التحكيم وصيحات «لا حكم إلا لله» وقال الراوي في ذلك: «فظن علي ع أنهم قليلون لا يعبأ بهم فما راعه إلا نداء الناس من كل جهة وفي كل ناحية لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك».
وهو ما يذكره نصر بن مزاحم من طريق اسماعيل بن سميع وهو من الخوارج، فهم لم ينشقوا إلا بعد قراءة كتاب التحكيم عليهم أي بعد التفاوض وتقرير التنازل عن لقب أمير المؤمنين.

ومحا علي لقب أمير المؤمنين بالفعل، ولو لم يكن معاوية في موقف عسكري يؤهله لذلك لما استطاع فرض التنازل على علي وقد جاء في رواية للحسن البصري أن معاوية أرسل إلى علي يلح عليه في محو لقب أمير المؤمنين بصيغة تهديدية:
«أن امح هذا الاسم إن أردت أن يكون هناك صلح».
معاوية بن أبي سفيان
تتفق هذه المرويات جزئيا مع كل من روايات الشعبي وعمرو بن شمر وكثير من الروايات التاريخية الأخرى، من الشيعة وغير الشيعة ومن الخوارج تؤكد أن الخوارج كانوا منذ البداية ضد التحكيم. إلا أنهم لم ينشقوا عن علي إلا بعد قراءة كتاب الصلح عليهم الذي حوى تنازلات علي.

من أهم هذه الروايات التي يتفق معها ما ذكر فيما سبق؛ ما نقله البلاذري بإسناده إلى صالح بن كيسان:
«أن عليا لما كتب كتاب القضية نفروا من ذلك، فحكم من حكم منهم»
فالاعتراض بدأ فعليا بعد كتابة الصلح والتنازلات التي قدمها، لا قبله، مما أثار حفيظتهم.
إحدى روايات المدائني تؤكد أن معاوية كان له اليد العليا في صفين وأنه دحر عليا حتى دفعه للتنازل، فأورد المدائني:
«إن أهل العراق ملوا السيف وجزعوا منه جزعا لم يجزعه أهل الشام، واختلفوا بينهم، فخاف علي لما رأى من وهنهم أن ينكشفوا ويتفرقوا عنه، فمال إلى القضية».
وتتوافق رواية المدائني هذه مع رواية شامية لخالد بن سبلان الذي شهد صفين مع معاوية وهي الرواية الوحيدة لأحداث نهاية صفين من طريق مؤيدي معاوية، قال ابن سبلان:
« فأرسل علي إلى معاوية يناشده الله في البعثة إلى كف أصحابه». وفي نسخة أخرى لنفس الرواية: «يناشده الله في البقية…».



وفي سيرة ابن إباض (كتبت في القرن الثاني) وهي من اقدم الموارد التاريخية، وبعض الدراسات التاريخية تؤكد صحتها مع نفي أنها كانت موجهة لعبد الملك بل إن بعض الدراسات (مثل دراسة لطيفة البكاي في الرسالة) تقول إنها مختصر لعقيدة الإباضية.
يتهم ابن إباض عليا بالتناقض والحكم بغير ما أنزل الله، فالله في كتابه أمر بقتال الفئة التي تبغي -انطلاقا من وجهة نظر ابن إباض- حتى تفيء، وهذا بالنسبة للخوارج كالحد للسارق، فتركه ترك لحكم الله، وذكر أن عليا كان على امرهم ثم بدل حكم الله، فاستحق أن يخرج عليه بالنسبة لهم، وذكر ابن إباض أن المحكمة (الخوارج) كانوا منذ البداية معارضين للتحكيم بل ذكر ما يشير إلى أن عليا هو صاحب فكرة التحكيم.
يقول ابن إباض: «وقد كان عمار بن ياسر حكى علي له تحكيم الحكمين فكره ذلك وعاب على علي وتركه، فلما قتل عمار رجع علي إلى حكومة الحكمين وأظهر للناس بها»

فعلي عند متقدمي الإباضية هو صاحب فكرة التحكيم لا معاوية وهو الذي أظهر للناس بها.
فرواية المدائني السابقة، ورواية الجندي خالد بن سبلان ورواية ابن إباض تتظافر في أن عليا هو صاحب مقترح التحكيم.
وجاء في روايات مسيحية أن معاوية حقق النصر في صفين، فيقول تيوفان المعترف وهو مؤرخ بيزنطي من القرن الثامن أن «معاوية أحرز النصر»
وقبل ذلك ذكر جورج الرشيعيني المعاصر لمعاوية أو يكاد: «بدأ معاوية حربًا مع أبي تراب أمير الحيرة في صفين وهزمه»
ولدينا شطر من روايات الشيعة، ورواية الخوارج، ورواية شامية مؤيدة للأمويين، وروايتان نصرانيتان بيزنطية وسريانية وكلها تنص على انتصار معاوية، الذي يؤكده أيضا قدته على فرض شروطه على علي.
أما رواية رفع المصاحف فهي أسطورة أدبية أرادت الاحتجاج لعلي، بل إن أهل الكوفة لم يعترفوا بمصحف عثمان إلا على يد الحجاج بن يوسف الثقفي الذي فرضه عليهم في ثمانينات القرن الأول (ربما 86 للهجرة) ، فلا تأثير لمصحف عثمان عليهم بالأصل في ذلك الوقت، بل إنهم ثاروا على عثمان بسببه فكيف لهم أن يوقفوا القتال تأثرا به؟ فهي محض قصة شعبية متأخرة لا ينبغي أن تقرأ كتاريخ.
وبالنسبة لعدد القتلى، فقد توهم البعض أن هناك رواية واحدة ووحيدة لها، والحقيقة أنه قد ورد في مرويات شيعية أن الكوفيين لاموا عليا على قتلاهم في صفين وجاء في رواية شامية أن عدد قتلى الجيش العراقي كانوا ضعف قتلى جيش الشام.
وقد ورد في رواية شيعية ما ذكره أبو مخنف:
حدثني عبد الله بن عاصم الفائشي، قال: [مر علي بالثوريين، فسمع البكاء، فقال: ما هذه الأصوات؟ فقيل له: هذا البكاء على قتلى صفين، فقال: أما إني أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشهادة] ثم مر بالفائشيين، فسمع الأصوات، فقال مثل ذلك، ثم مضى حتى مر بالشباميين، فسمع رجة شديدة، فوقف، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي، [فقال علي: أيغلبكم نساؤكم! ألا تنهونهن عن هذا الرنين! فقال: يا أمير المؤمنين، لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن قتل من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل…
وهذه الرواية رمزية كما يظهر، وهي تسلط الضوء على حجم الخسائر في الكوفة وأثرها على نفسية الكوفيين وتصرح بإحباط علي تجاه هذا الأمر. وقد ورد عن صفوان بن عمرو (توفي ما بين ١٤٨- ١٥٥هـ) أن قتلى أهل الشام كانوا ٢٠ ألفا وقتلى أهل العراق ٤٠ ألفا.
الخاتمة
وفي هذا المقال كما هو مبين في الصور: احتججنا بشيعة كالمدائني ونصر بن مزاحم، وبرواية من أصل أموي كرواية خالد بن سبلان الذي شهد صفين مع معاوية، وبخارجيين وهما إسماعيل بن سميع وعبد الله بن إباض، وبسنة مثل الرواية التي تنسب لصالح بن كيسان، ورواية الحسن البصري، ونصارى مثل تيوفان وجورج الشعيني.
والمنطقي عند ذوي العقول أن يكون من فرض شروطه على الطاولة على من تنازل عن لقب الخلافة هو الذي كان له اليد العليا بعيدا عن القصص الأدبية والتبريرية.
وقد فات صانع الرواية المشهورة أن أبسط القواعد العسكرية تقتضي ضرورة حسم الموقف القتالي فوق أرض المعركة لو كان علي حقا قاب قوسين أو أدنى من النصر أو على الأقل أن ينجح في فرض شرط يضمن له صلحا لصالحه فيما بعد ويمهد لبيعة معاوية له، تثبيتا لوضعه كمنتصر، غير أن كل شيء إذا قرأنا هذه الوقائع بمعزل عن الصبغة الحجاجية يقول أن معاوية هو من ضمن لنفسه ومن معه كل ذلك.






