طبيعة استخدام اللغة اليونانية في الوثائق الاموية: نيسانا نموذجا

فيصل خالد

شارك المقال:

تتواجد اللغات اليونانية، واللاتينية، والعربية، والارامية النبطية، والسريانية في وثائق “نيسانا” (قرب غزة بفلسطين). وقد تركت كل هذه اللغات، بدرجات متفاوتة، أثراً على مجتمع نيسانا. كانت الأهمية النسبية لهذه اللغات، ودلالة وجودها في أنواع مختلفة من الوثائق، محلاً لذكر عابر منذ اكتشافها قبل ثمانين عاماً، دون أن تثير نقاشاً مستفيضاً. يسعى هذا المقال لفحص دور اليونانية في السنوات التي تغطيها البرديات، من أوائل القرن السادس إلى أواخر القرن السابع الميلادي، وبالأخص التفاعل بين اليونانية والعربية في هذا المجتمع.

لعل البداية المناسبة تكون مع واحدة من أقل البرديات أهمية في مجموعة نيسانا، وهي بردية مجزأة وضعها محرر المجموعة، كاسبر كرايمر، في ذيل الإصدار ودمجها مع “وثائق ثانوية” أخرى. البردية المسماة P.Ness. 145 تعود لأرشيف الكنيسة في أوائل القرن السابع، وهي ليست مجزأة فحسب، بل غير مكتملة. يبدأ الكاتب بصياغة رسالة رسمية تتعلق بمؤن منزلية، ولكن بعد سبعة أسطر، قضى خمسة منها في التحيات والمجاملات، يشعر بعدم الرضا عن محاولته.

يقلب البردية ويبدأ في كتابة رسالة أخرى، ليصاب بالإحباط من صعوبة المهمة بعد سطر واحد من التحية. وبعد أن يئس من كتابة الرسالة الفعلية، أدار الكاتب البردية بمقدار 90 درجة وتدرب على كتابة جملة واحدة فقط مراراً وتكراراً على وجهي البردية، وهي جملة: “ἐν ὀνόματι τοῦ κυρίου καὶ δεスπότου Εἰσοῦ Χριστοῦ” ومعناها “باسم الرب والسيد يسوع المسيح”. يجرب الكاتب طرقاً مختلفة لهجاء كلمة “باسم” (ὀνόματι)، ويختبر اختصارات لاسم “يسوع المسيح”، ويتلاعب بالصيغة مضيفاً كلمة “الله” (τοῦ θεοῦ) في إحدى النسخ. ما مدى أهمية هذه الجملة لدرجة أن هذا الرجل يركز عليها حين تعجز قدرته عن أي كتابة أخرى؟ ولماذا يبذل شخص كل هذا الجهد في عبارة واحدة محددة، في حين أنه لا يستطيع إكمال طلب بسيط لمزيد من الخل؟

إن التفسير التقليدي لهذه الوثيقة، كما قدمه المحرر كرايمر، هو أن المؤلف من سكان نيسانا “المتأغرقين”، وأن معرفته الضعيفة باليونانية المكتوبة تثبت تدهور التعليم في البلدة. يتماشى هذا التفسير مع توجه عام يحاول فيه الباحثون، من خلال رسم التفاعل بين الثقافات والهويات في الشرق الأدنى، وصف واقع اجتماعي وثقافي باستخدام الأدلة اللغوية للوصول إلى نتيجة كمية. والافتراض المركزي غير المستند إلى أساس هنا هو أن استخدام اللغة يسمح لنا بتحديد الهويات العرقية والدينية والثقافية. هذا النهج يطرح إشكالات على مستويين، التجريدي والتجريبي. وفحص دقيق لليونانية واستخدامها في وثائق نيسانا سيسمح لنا بالوصول إلى فهم مختلف لهذه الوثيقة وغيرها.

على المستوى النظري، فإن اعتبار اللغة علامة ضرورية وكافية للهوية هو أمر عفا عليه الزمن، إذ يعتمد بشكل صريح أو ضمني على مفاهيم القرن التاسع عشر حول الهوية الشخصية والجماعية. وبينما يتحدث الباحثون غالباً عن التنوع اللغوي والثقافي للمنطقة، لا يزال هناك ميل لافتراض التجانس داخل الهوية الواحدة، وافتراض أن هوية الشخص محددة ومنفصلة. ورغم وصف المنطقة ككل بأنها “فسيفساء” من اللغات والثقافات، يُنعت الفرد دائماً بأنه إما “يوناني” أو “سامي”، إما “متأغرق” أو لا. وبافتراض أن الهوية ذات طبيعة مصمتة، يميل الباحثون لافتراض أن المؤشرات المختلفة يمكن استخدامها كمعايير جازمة لتحديد الهوية. لذا نجد من يفترض أن اللغة مؤشر مباشر للهوية أو العرق، بدلاً من رؤيتها كعنصر واحد بين عناصر كثيرة تُستخدم حسب الموقف في بناء هوية مرنة ومتغيرة.

أدت الافتراضات العميقة في هذه التحليلات إلى رؤية تظن أن الهوية الثقافية يمكن قياسها كمياً. فإذا كان لكل فرد هوية محددة، يمكن تقسيم التركيبة الثقافية للسكان وإحصاؤها. هذا النهج هو أساس الجدل بين “اليونانيين” و”الساميين” الذين يدعون تمييز التركيبة الثقافية للمنطقة بناءً على الاستخدام اللغوي. يبدأ الطرفان من نفس الفرضية، وهي أن الإجابة ممكنة وستكون إما هوية واحدة أو أخرى. يرى كل من فريد دونر وجلين باورزوك أن سوريا وفلسطين في العصور القديمة المتأخرة كانتا منقسمتين إلى مجتمعين، اليوناني والسامي، ويركز الجدل بينهما على مكان الحدود الفاصلة بين هذين المجتمعين. يقبل كلا الجانبين في النقاش الحديث وجود فجوة لا يمكن جسرها بين السكان الناطقين باللغات السامية والناطقين باليونانية كأمر مسلم به، ويفترضان أن الفرد يملك هوية حقيقية واحدة، وأن مهمة الباحث هي كشفها وإحصاء عدد “اليونانيين الحقيقيين” و”العرب الحقيقيين”.

تتمثل حجتي هنا في أن هذه الرؤية تقوم على سوء فهم جوهري، يؤدي إلى ازدواجية زائفة بين “اليوناني” و”العربي” وإلى جدل مضلل حول هوية الأشخاص. لقد سقط الاعتماد على اللغة كعلامة عرقية، وهو غير مناسب خصوصاً لعالم فلسطين في العصور القديمة المتأخرة.

وعلى المستوى التجريبي، سيكشف فحص برديات نيسانا وأدلة أخرى من القرن السادس والسابع في فلسطين وسوريا أن هذا النهج لا تؤيده الوقائع، فالحدود اللغوية والعرقية والدينية لا تتطابق بدقة.

إذا لم تكن اللغة أداة لتمييز الهوية العرقية، فسنبحث في جدوى استخدامها، إذ من الواضح أن أكثر من لغة كانت حاضرة في المجتمع ولم يكن اختيار اللغة عشوائياً. وبناءً عليه، يصبح السؤال الجدير بالفحص هو: ما هي الأدوار التي لعبتها اللغات المختلفة؟ وفي أي سياق ولأي أغراض استُخدمت؟

اليونانية في نيسانا

كثيراً ما تكون الملاحظة الأولى التي تُطرح عند دراسة هذه الوثائق هي وجود ما يُوصف غالباً بـ “الرطانة” أو “البربرية”؛ إذ تنحرف الكثير من النصوص في برديات نيسانا بشكل كبير عن القواعد القياسية لليونانية من حيث الهجاء والنحو والصرف. كرايمر، الذي لا يتردد في إطلاق أحكام تقييمية، يرى في ذلك دليلاً على تدهور ملحوظ في مستوى التعليم، حيث يقول: “إن الكاهن الذي كتب النص رقم 57، وكذلك رئيس الشمامسة مؤلف النص رقم 56، كانا كلاهما — فيما يتعلق باليونانية — شبه أميين. وفي الواقع، فإن إهمال أو جهل الكاتب ‘جورج’ أمر لافت للنظر حقاً”. يصف كرايمر مجتمعاً كانت اليونانية لغته الأساسية، ولا يزال سكانه “متأغرقين”، لكنهم لم يعودوا يمتلكون التعليم الكافي للتعبير عن أنفسهم بيونانية قياسية “مقبولة”.

إلا أن هذا التفسير يتركنا دون إجابة على سؤال جوهري: لماذا الإصرار على الكتابة باليونانية إذا كان هناك مثل هذا التدهور المعرفي الحاد؟ كما أن هذا الرأي يصطدم بالأبحاث الحديثة حول تطور اللغات، وتحديداً التغيرات الموازية التي طرأت على اللغة اللاتينية المعاصرة لها في الإمبراطورية الغربية. فإذا قارنا يونانية نيسانا بلاتينية غريغوري التوري (Gregory of Tours) على سبيل المثال، سنجد أنها تشترك في الكثير من الخصائص، مما يوحي بأن المشكلة ليست في العجز عن الكتابة بيونانية أثينية “صحيحة”، بل هي عملية تحول وتطور لغوي قيد التنفيذ.

علاوة على ذلك، يتناقض طرح كرايمر حول “تدهور المعرفة” مع ما نعرفه عن تعلم اليونانية في أماكن أخرى من فلسطين؛ فقد أثبت سيريل مانغو حيوية الثقافة اليونانية في فلسطين في أوائل القرن الثامن، مبيناً أنها كانت “المركز الأكثر نشاطاً للثقافة اليونانية” في ذلك الوقت. وبناءً على ذلك، ومن الناحيتين النظرية والعملية، يبدو أن ادعاء الجهل أو الإهمال لا يكفي لتفسير السمات الخاصة التي نراها في هذه البرديات.

اليونانية والعربية المنطوقة

إذا حاولنا تنحية أي تصورات مسبقة وفحصنا الوثائق من حيث وظائفها، فإن الوثائق اليونانية تنقسم إلى مجموعتين. تعكس بعض الوثائق لغة يونانية اصطلاحية وسهلة النطق، ومن الواضح أن العديد من هذه البرديات، مثل (P.Ness. 38) و (P.Ness. 82)، كانت مخصصة للاستخدام الشخصي، وهي بذلك لا تعدو كونها مذكرات مساعدة أو تدوينات للأرشيف الخاص.

وبطبيعة الحال، فإن حقيقة ارتياح أهل نيسانا لاستخدام اليونانية نطقاً وكتابة لا تؤثر على مدى تمكنهم من اللغة العربية؛ وبالفعل، تشير الأدلة إلى استخدام واسع للعربية كلغة دارجة. ويظهر أوضح مثال على تغلغل العربية في النص اليوناني في أسماء المواقع. فهناك ثلاثة أماكن ذكرت في البرديات تتضمن عناصر عربية واضحة: (Χαφρεα) في (P.Ness. 54)، و (Χαφρ) في (P.Ness. 94)، و (Τουρσινα) في (P.Ness. 73). تقترح (F.E. Day) أن استخدام (Χαφρεα) في وثيقة يونانية يعني أن الكاتب لم يدرك الاستخدام المحلي واعتبر كفر (kafr) اسماً للمكان مع إغفال الكلمة المضافة إليه. ومع ذلك، يمكن استخلاص نتيجة معارضة، وهي أكثر اتساقاً مع بقية الأدلة، ومفادها أن الكتاب كانوا يعلمون جيداً أن كفر تعني قرية، وأن المكان المشار إليه يدعى كفر ب، وأن الجزء الناقص من الاسم كان سيكمل التسمية الكاملة للموقع. وما يدعم ذلك هو ظهور مكان يدعى كفر لاحقاً في البردية (P.Ness. 94) التي تعود لما بعد الفتح. وبالنظر إلى تاريخ تلك المخطوطة، يصعب افتراض جهل الكتاب بمعنى كلمة كفر في العربية، ومع ذلك نجدها مستخدمة كاسم مكان. لذا، من التسرع افتراض أن هذا الاستخدام يعني الجهل بالأعراف العربية. وتظهر حالة مماثلة في أمر صادر عن الوالي المسلم يعود لعام 683، حيث سمي جبل سيناء (Τουρσινα). وهنا أيضاً نجد المعرّف المكاني طور (ṭūr) مستخدماً كجزء من الاسم العلم للمكان، وبناءً على منطق

داي ، يجب أن نفترض الجهل بالعربية، غير أن تاريخ الوثيقة وسياقها يؤكدان معرفة الكاتب بالعربية. وبناءً عليه، يمكننا قراءة استخدام الأوصاف المكانية العربية كدليل على معرفة اللغة العربية.

وثمة دليل أكثر وضوحاً على الانتشار الواسع للعربية كلغة منطوقة يتمثل في الكلمات العربية المستخدمة لوصف قطع الأراضي. ففي المجمل، منحت أربعة عشر حقلاً أسماء علم في برديات تتراوح تواريخها بين عام 512 في (P.Ness. 16) وأواخر القرن السابع في (P.Ness. 82). ومن بين هذه الأسماء، هناك ثلاثة عشر اسماً ذات أصل سامي مؤكد ولها معنى في العربية. ويقترح داي أن كلمة (alegrad) في (P.Ness. 24.6) هي ببساطة الأجراد (al-ajrād)، جمع جرد (jarad)، أي الحقل. ونجد حقلين يحملان اسماً متشابهاً: (abiathalbon) في (P.Ness. 16)، و (abiathalba) في (P.Ness. 21) المكتوبة بعد 40 عاماً. قد يشير هذان الاسمان إلى الحقل نفسه أو إلى حقلين منفصلين، وفي كلتا الحالتين يمكن القول إن الاسم انعكاس لأبي ثعلبة (abī-thaʿlaba). وفي (P.Ness. 82) سمي حقلان باسم صاحبيهما: (μαλαλκανι) أي مال الكاني (māl al-kāni)، و (μαλζημαρχε) أي مال ذي مارق (māl dhī māriq).

وهناك حقل آخر يدعى (βεραειν) أي بئرين في (P.Ness. 82.1).

إن استخدام كلمات عربية، وليس مجرد أسماء علم، لتحديد قطع الأراضي، يشير إلى أن العربية كانت تخدم أغراض الحياة اليومية، لا سيما عند مناقشة عناصر الحياة الزراعية كالحقول. وهذا الاستخدام يجد نظيراً له في برديات البتراء حيث نجد أكثر من 100 اسم مكان واسم مسكن عربي مغروسة في نصوص يونانية، وهناك أيضاً يمكن افتراض أن العربية كانت تستخدم في الحياة اليومية وخاصة في السياق الزراعي. ففي كل من البتراء ونيسانا، كتبت الوثائق المتعلقة بالتصرف في الحقول وتسمية الورثة باليونانية، لكن يبدو أن شؤون الزراعة كانت تدار باللغة العربية.

اليونانية والعربية المكتوبة

إن الفرق بين استخدام اليونانية والعربية، إذن، لا يكمن في هوية المتحدث بكل لغة؛ إذ نرى أن استخدام اليونانية لا يمنع الألفة العميقة بالعربية كلغة دارجة. بل يتجلى الفرق بينهما في الفئة الثانية من وثائق نيسانا اليونانية، وهي تلك المخصصة للاستخدام العام لا الخاص. في هذه الحالات، تُستخدم اليونانية لإضفاء دلالات إضافية على القوة والسلطة، لتكون أكثر من مجرد أداة واضحة ومباشرة لنقل الكلمات المنطوقة. ويبدو هذا الجانب جلياً بشكل خاص في البرديات التي تلت الفتح وكُتبت في ظل الحكم الإسلامي، سواء في العقود مثل (P.Ness. 56) أو المراسلات الحكومية مثل (P.Ness. 73).

غالباً ما تُفصل الملاحظات المتعلقة بوظيفة اللغات في فلسطين تحت الحكم الروماني المتأخر والبيزنطي عن مثيلاتها في جند فلسطين تحت الحكم الأموي، ويعود ذلك جزئياً إلى الانفصال بين باحثي العصور القديمة المتأخرة وباحثي العصر الإسلامي المبكر. وبما أن وثائق ما قبل الفتح هي باليونانية، ولا تظهر اللهجات السامية المنطوقة إلا من خلال تحليل دقيق، يميل مؤرخو العصر الأموي إلى الحديث عن “تعريب” السكان المسيحيين، مما يوحي بأن السكان كانوا يتحدثون اليونانية كأمر مفروغ منه حتى النصف الثاني من القرن السابع. إلا أن النصوص المفحوصة هنا تشير إلى أن هذه الحقيقة جزئية فقط؛ فقد كان المسيحيون في الشام ملمين باليونانية بالفعل، ولكن حتى قبل الفتح، كانت تُستخدم في المواقف التي تتطلب إبراز القوة والمكانة والثقافة.

تظهر برديات نيسانا أن الناس الذين يبدو أنهم تحدثوا بضرب من العربية في حياتهم اليومية وأطلقوا ألقاباً على حقولهم بتلك اللغة، قد اختاروا اللجوء إلى اليونانية عند صياغة العقود المختلفة، مثل (P.Ness. 16) و(30)، بقصد إضفاء صبغة رسمية أكبر على الوثائق. ويستمر هذا التقسيم للغات وفقاً لدلالاتها في برديات نيسانا بعد الفتح الإسلامي، بل يمكننا رؤيته بوضوح أكبر؛ فالبردية (P.Ness. 92)، وهي سجل حسابات يتضمن أوامر من دمشق ومصر، تمثل أعلى مستويات السلطة الأموية، بما في ذلك ولاة مصر وفلسطين والخليفة عبد الملك نفسه.

ورغم أن الوثيقة كُتبت في نهاية القرن السابع — حوالي عام 690 — وهي عربية تماماً في محتواها، بل هي مجرد مذكرة داخلية للإدارة الأموية، إلا أنها كُتبت بالكامل باليونانية. فكل الأسماء والألقاب المذكورة هي نقحرة من العربية، ونلاحظ بشكل خاص لقب أمير المؤمنين (Amīr al-Muʾminīn) المطبق على الخليفة؛ كما أن المؤسسات والأعراف الإدارية كلها عربية، والسجل يتعلق بدفع أجور الجيش المسلم. ومع ذلك، صِيغ هذا النص الرسمي والمفصل باليونانية بالكامل، وخلافاً لـ “أوامر الجباية” ثنائية اللغة من الفترة نفسها، لا يوجد بها حتى ترجمة عربية ملحقة.

من المعروف أن النظام الأموي استخدم الفارسية والقبطية واليونانية في حساباته، ويُفسر ذلك عادةً بأن النظام الجديد، الذي كان يفتقر للبنية الإدارية، اختار تبني البيروقراطية المعقدة للإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية جملةً وتفصيلاً، وأبقى على الكتبة الذين استمروا بالتالي في الكتابة باليونانية. استمر هذا الوضع حتى تسعينيات القرن السابع (690s) حين حلّت العربية تدريجياً محل اللغات الأخرى.

ولكن إذا فحصنا استخدام اليونانية لا من منظور الفترة بين 636 والعصر العباسي فحسب، بل في سياق القرون السابقة، تبرز إمكانية أخرى؛ وهي أن الاستمرارية في استخدام اليونانية تعكس شيئاً آخر غير مجرد الإبقاء على الكتبة أنفسهم. فبعد الفتح، كما قبله، كان استخدام اليونانية بين سكان يتقنون العربية أو الآرامية يحمل دلالات القوة والمكانة. لذا، رغم وجود نقوش بلهجات سامية، إلا أنها تميل لأن تكون خاصة لا عامة. وفي بداية هذا الفصل، رأينا كيف يستنتج الباحثون غالباً من استخدام اليونانية في الوثائق المكتوبة والنقوش أن الهوية الثقافية للكُتاب لابد أن تكون يونانية، وهو افتراض لا يصمد بوضوح أمام الوثائق الأموية؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال وصف مستخدميها ورعاتها بأنهم “متأغرقون”.

في هذه المرحلة — أي في أعماق الحكم الإسلامي في ثمانينيات وتسعينيات القرن السابع — لم تعد اليونانية لغة مشتركة (koinē)؛ فهي ليست لغة الإمبراطورية ولا لغة التجارة اليومية. والتفسير الشائع بأنها ظلت لغة الإداريين ليس كافياً، وقد أظهر باورزوك أن العدد المحدود للكتبة العرب لا يعد تفسيراً كافياً. بالإضافة إلى ذلك، تحفظ “أوامر الجباية” المرسلة إلى نيسانا من غزة قصة مختلفة؛ قصة نظامين متوازيين للتدوين الإداري: الأول يعتمد على اليونانية وهو بيزنطي الأصل، مدعوم بكادر جديد من الكتبة العرب. وهكذا، بحلول الربع الأخير من القرن السابع، كان هناك نظام إداري عربي فاعل، لم يحل محل النظام اليوناني القائم بل عززه.

وهذا يعني أنه رغم أن المنطق قد يملي بأن الإداريين الجدد كانوا على الأرجح ثنائيي اللغة، إلا أن النظام الإداري نفسه لم يتطلب ذلك، بل قد يُقال إنه ثبطه بشكل ما؛ فمهارة كهذه قد تكون مفيدة، لكن النظام عمل بدونها.

وتجدر الإشارة إلى أن الميل لاستخدام لغة غير العربية في التواصل الرسمي ليس أمراً غير مسبوق، بل هو استمرار لممارسات كانت سائدة في جزيرة العرب قبل الإسلام وفي حوران؛ فقبل الإسلام، لم تكن العربية تُستخدم في الكتابة، بل كان يتم اختيار “خط المكانة” المرموق في المنطقة. وفي مجتمع متعدد اللغات يتقن فيه الناس غالباً أكثر من لهجة أو لغة، يصبح التمييز بينهما مسألة “نبرة”، حيث تُنقل الرسالة من خلال اختيار اللغة نفسه.

هذه الحساسية هي ما نرى استمراره في برديات نيسانا اليونانية. إن ما يسمى بـ “تعريب” سوريا وفلسطين هو، في جزء منه فقط، عملية أصبحت فيها العربية هي اللغة المكتوبة، إذ كانت لهجة من العربية هي اللغة الدارجة بالفعل إلى حد ما شعبيا . والأهم من ذلك، أن الانتقال من اليونانية إلى العربية يعكس المكانة المتنامية للحكام المسلمين الجدد.

وبحلول العصر العباسي، لم تعد هناك حاجة لاستخدام اليونانية لإيصال رسائل القوة والمكانة، فقد أصبحت العربية تمثل سلطة قوية بما يكفي. عند تلك النقطة فقط، لم تعد هناك حاجة لكتابة وثائق رسمية او نقوش عامة باليونانية، تماماً كما أظهرت العملات حينها نمطاً مستقلاً ونقوشاً عربية.

المتوازيات والمقارنات

نجد تأكيداً إضافياً على هذه الرؤية للغة كأداة للمكانة ورمز للسلطة الإمبراطورية في البرديات اللاتينية القليلة المكتشفة في نيسانا. فبالرغم من عدم وجود أي بردية وثائقية باللاتينية، أو ما يشير إلى معرفة حقيقية بها، إلا أن البرديات الأدبية تضم نموذجين فريدين: قاموساً لاتينياً يونانياً لمفردات ملحمة الإنيادة للكاتب الروماني فيرجل، وأجزاء من الكتب الثاني إلى السادس من مخطوطة لملحمة الإنيادة. وتبرز هاتان البرديتان بسبب الجودة الرديئة جداً للاتينية المكتوبة؛ بل إن جهل كاتب القاموس باللغة دفع كاسون وهيتيش لوصفها بـ “المسوخ”، ووصفا الكاتب بإنصاف بأنه كان مجرد محاكٍ لأشكال الخطوط بأقصى ما يستطيع، دون أي محاولة لفهم الحروف. ولذكر بعض الأمثلة من القاموس، نجد Peget بدلاً من pigebit، و Efello بدلاً من refello، و hortamuis بدلاً من hortamur.

لا تتعلق المسألة هنا بخطأ في القواعد أو الإعراب، ولا تندرج تحت الأخطاء الكتابية المعتادة، بل ما نراه هو مجرد المظهر الخارجي للغة، وهو ما يشبه ثرثرة طفل يحاكي الكبار دون وعي. وقد نميل لعزو ذلك إلى متدرب مبتدئ أو كاتب عاجز بشكل استثنائي، لولا أن البردية تظهر علامات مراجعة واسعة بيد أخرى لا تقل جهلاً؛ إذ قدم الكاتب الأول جهده ليصححه مسؤول أعلى تبين أن معرفته باللاتينية رديئة بنفس القدر.

إن إصرار كتبة القرن السادس على تجاوز حدود معرفتهم باللاتينية، والاستمرار في استخدام نص رديء كهذا (كما يظهر من محاولة التصحيح الدقيقة وإن كانت فاشلة) هو أمر يصعب فهمه بالنظر إلى الفائدة المحدودة للاتينية آنذاك. يقترح كرايمر أن الدافع كان مسيحياً، بجعل فرجيل مسيحياً قبل ظهور المسيحية. ولكن يصعب قبول سبب ديني للإصرار على نصوص فرجيل نظراً لأنها غير مقروءة تقريباً؛ فمن المؤكد أن تذوق التفسيرات المسيحية الدقيقة في الإنيادة كان سيكون مستحيلاً في ظل هذه النسخة المشوهة. كما يبدو التفسير المسيحي تقييداً غير مبرر، بالنظر إلى غلبة الصور الهلنستية الوثنية في المجتمعات المسيحية الأخرى بالمنطقة.

أما بالنسبة للأسباب العملية لإصرار مدرسة صغيرة في النقب على اللاتينية، فمن الصعب أيضاً قبولها؛ إذ كانت اللاتينية قد أصبحت مفارقة تاريخية كاملة بحلول القرن السابع. ولعل ما نراه هنا هو ظاهرة الفجوة الزمنية المعروفة بين المركز والأطراف؛ فعلى الرغم من أنه بحلول وقت كتابة هذه البرديات في نهاية القرن السادس لم تعد اللاتينية ضرورية للمكانة الإدارية أو الثقافية في مراكز الإمبراطورية، إلا أن هذا التغيير لم يصل نيسانا بعد. وهكذا لا يزال القاموس ومخطوطة الإنيادة يعكسان الوضع في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، حين كانت اللاتينية هي اللغة الرسمية للقانون والإدارة والجيش. هذا البقاء لنظرة قديمة ترى في اللاتينية علامة على الرجل المتعلم، يفسر العناية بالقاموس رغم عجز الكاتبين.

لا تزال اللاتينية هنا تمثل أحد مظاهر الثقافة والسلطة الإمبراطورية، تماماً كما استمر استخدامها في النقوش على العملات وفي النصوص القانونية التي تُدرس في جامعة بيروت الرومانية ، حتى عندما استقرت لغة التدريس لتصبح اليونانية.

نحن نرى هنا توضيحاً جلياً بأن المكانة المرتبطة بلغة ما لا تقل بسبب أخطاء الهجاء أو النحو، بل على العكس، كلما كان النص غير مفهوم، زادت الهالة المحيطة به. فكرمز للمكانة، يكفي المظهر الخارجي للغة كما تعبر عنه الأبجدية للمطالبة بإرث القوة.

بمعنى ما، لا يوجد جديد في هذه الملاحظة حول تقسيم العمل بين اللغات؛ فكقاعدة عامة، يُعترف بأن المجتمعات المسيحية في فلسطين في العصور القديمة المتأخرة كانت تتحدث لهجة سامية، وأن اليونانية كانت اللغة الأساسية للعبادة واللاهوت في أديرة الصحراء حتى بين غير الناطقين بها. وقد ركز النقاش العلمي حتى الآن بشكل أساسي على المتحدثين بما عرف آنذاك بـ siriste، اي اللغة السريانية حرفياً، والتي تُسمى اصطلاحاً الآرامية الفلسطينية المسيحية ، رغم أن الأنماط مشابهة لما رأيناه للتو.

ويأتي مثال رائع على هذا التحول اللغوي من مأدبا بالاردن؛ حيث يصف نقش يوناني من القرن السادس سقوط مطر عجائبي باليونانية، لكنه يقتبس رد فعل السكان بالآرامية: goubba ba-goubba، أي بئر بظهر بئر. ويُنظر إلى هذا النقش كدليل على أن عامة السكان كانوا يتحدثون الآرامية دون اليونانية. وأقترح هنا أن التحول في النص بين الآرامية واليونانية يعبر عن تحول في الموقف والوسيلة، وليس في هوية المستخدمين. فعند تدوين وثيقة رسمية، تكون اللغة المناسبة هي اليونانية؛ ولكن عند اقتباس صيحة دهشة قيلت عند سقوط مطر عجائبي، فإن الوسيلة المناسبة هي الآرامية. هذا ليس ازدواجية لغوية، بل هو تحول لغوي، أي استخدام لغات مختلفة لأغراض مختلفة: تُستخدم اليونانية واللاتينية والعربية كما نستخدم مستويات مختلفة للغة الواحدة.

وهذا الاستنتاج يزداد قبولاً عندما ننظر إلى الشام في العصر الأموي، حيث نجد أمثلة أخرى لاستخدام اليونانية كعلامة على القوة.

وفي الحمة، وهي الينابيع الساخنة أسفل جدارا (أم قيس بالاردن)، يخبرنا نقش يوناني تذكاري محفور بعناية أن الحمام قد رُمم بالكامل في عهد الخليفة معاوية (661–680م). وكما أظهر فودن، فإن النقش يحافظ على الأعراف وحتى أشكال الحروف والجمالية العامة لنقوش ما قبل الإسلام. تمت نقحرة اسم ولقب الخليفة واسم الوالي المحلي بعناية من العربية، بينما تُرجم لقب الوالي. ومن الواضح تماماً أنه لم تكن هناك حاجة لنسخة عربية موازية للنقش اليوناني. إن استخدام اليونانية يخلق استمرارية مع الإهداءات والنقوش العامة السابقة، ويربط النظام الجديد بالأنظمة القديمة مستحضراً القوة الإمبراطورية.

وفي المقابل، فإن النقوش العربية الموجودة في الجوار هي نقوش خاصة كأدعية لطلب المغفرة، وليست بيانات من السلطة الحكومية الرسمية. وبالمثل، فإن النقوش السريانية في فلسطين التي تعود للقرنين الرابع والخامس توجد في المنازل الخاصة. وهذا يعزز الفهم بأن خط الترسيم بين اللغات لا يتعلق ببساطة بالتقسيم بين اللغة المكتوبة والمنطوقة.

الخاتمة

في تعداد عام 2000 بالولايات المتحدة، حدد أكثر من 6.7 مليون أمريكي أكثر من فئة واحدة لوصف عرقهم وإثنيتهم. وبالنسبة لهؤلاء، فإن الفهم الضيق والإقصائي للإثنية هو أمر غير منطقي ولا يمت لواقع حياتهم بصلة. وإذا واجهنا أهل نيسانا بسؤال مماثل، هذا بفرض فهمهم لما نقصده بكلمة إثنية وهو سؤال آخر تماماً، لكانت نتائج التعريفات المتعددة أعلى بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة. وتجادل هذه المقالة بأن برديات نيسانا تشير إلى أن استخدام اللغة كان يتحدد بالسياق والموقف، وأن اللغات كانت تُستخدم للمطالبة بالقوة والسلطة بدلاً من التعبير عن الإثنية.

وبتعبير آخر، قد يستخدم الرجل نفسه اليونانية في سياق ما والعربية في سياق آخر، اعتماداً على الرسالة التي يرغب في إيصالها لمخاطبيه وعلى محتوى التواصل. لذا لا يمكن استخدام الاستخدام اللغوي وحده لتحديد الهوية العرقية أو الدينية أو الثقافية للمتحدث أو الكاتب، بل يحدد فقط الجانب الذي يتم التأكيد عليه في موقف معين.

وبالعودة إلى المثال الذي بدأنا به، كاتب الرسائل المحبط واليائس، يمكننا الآن أن نرى أن هذه البردية المهملة تمنحنا لمحة عن دوافع الناس للإصرار على اليونانية. فهذا رجل عاجز عن صياغة رسالة بسيطة باليونانية، ومع ذلك ثمة سطر واحد يعتبره مهماً بما يكفي ليتدرب عليه مراراً وتكراراً، وهو الصيغة المعيارية التي تفتتح بها الرسائل الرسمية، أو التماسات السلطة، أو أي نوع آخر من الوثائق القانونية.

إن إتقان الكتابة اليونانية ليس مهماً فقط لكتابة الرسائل الرسمية، بما أن هذا الفرد أثبت عجزه عن ذلك، بل إن القدرة على نظم الحروف اليونانية تكتسب معنى يكاد يكون سحرياً، إذ تخلق وهماً بالمشاركة في حياة النفوذ والجاه. وتكتسب الصيغة المعتادة التي تفتتح بها الرسالة المهجورة والتي تعلن إلمام الكاتب بالقراءة والكتابة (γραμμάτον παρόντον γرάφω)، ومعناها الحرفي “أكتب إليك لامتلاكي الحروف”، شجناً إضافياً. ففي هذه الحالة، ينطبق التفسير الحرفي للعبارة، لكن معناها، كإعلان عن المعرفة بالقراءة والكتابة والكفاءة ككاتب، لا ينطبق.

لقد استُخدمت اليونانية قبل الفتح الإسلامي وبعده لما تحمله من دلالات إيحائية بقدر ما استُخدمت لكونها لغة منطوقة مألوفة. وبدلاً من تفسير السمات الخاصة لليونانية في فلسطين الرومانية المتأخرة وفلسطين الأموية باستخدام نموذجين مختلفين، يبرز لنا طيف واحد متصل. وقد جادلت أفيريل كاميرون بالفعل بأن التغيير من اليونانية إلى العربية لم يكن مفاجئاً ولا كاملاً كما كان يُعتقد.

وتدعم برديات نيسانا هذه الرؤية، وتشير إلى أن طبيعة هذا التغيير قد فُهمت بشكل خاطئ؛ فهذه ليست قصة تحول من لغة منطوقة إلى أخرى، بل هي قصة تغير في الدلالات التي كانت تحملها كل لغة. وحتى استقرت العربية بما يكفي لتوحي بالقوة والرسمية بذاتها، استمرت الإدارة المسلمة في استخدام اليونانية كما كانت تُستخدم قبلهم، ليس للدلالة على الهوية الثقافية، بل للإشارة إلى المكانة والنوايا. إن فرض ازدواجية لغوية لا تاريخية في محاولة فهم تعقيدات هذا المجتمع لن يكون سوى عائق.

مقالات مشابهة