أدى استيلاء العرب على إقليم مصر البيزنطي في منتصف القرن السابع الميلادي إلى إدخال نظام سياسي جديد عاصمته الفسطاط، وهي جزء من القاهرة الحديثة. وجاء هذا التحول مصحوبًا بلغة جديدة هي العربية، ودين جديد هو الإسلام، وممارسات ثقافية وإدارية واجتماعية جديدة. ومع ذلك، استمر الكثير من جوانب الحياة على حالها، وخصوصًا في الحياة اليومية، إذ لم تتأثر روتينات المصريين الذين عاشوا تحت الحكم العربي في معظم الحالات تأثرًا كبيرًا. وتُظهر البرديات اليونانية والقبطية والعربية المحفوظة من هذه الفترة مظاهر الاستمرارية والتغير معًا.
يبحث هذا الفصل في مدى اعتماد مصر الإسلامية العربية على مصر الكلاسيكية والبيزنطية، وردّها عليها، وقطعها معها. وقد تُشير الممارسات التي جلبها الفاتحون العرب إلى عادات كانت شائعة في جزيرة العرب في زمن النبي محمد، غير أن تأثيرات أخرى تبدو واضحة كذلك.
المصادر والمنهجية في دراسة الإسلام المبكر
شهدت العقود الأخيرة ثورة في كتابة تاريخ الإسلام المبكر. ففي منتصف القرن العشرين الميلادي، طرح المؤرخون المراجعون تساؤلات مهمة حول موثوقية النصوص السردية العربية بوصفها مصادر تاريخية.
لكن هذا التشكيك أدى أيضًا إلى حالة من الشلل في ميدان الدراسة. وفي نهاية القرن، بدأ جيل جديد من الباحثين بتجاوز هذا المأزق من خلال الاعتماد على مصادر بديلة لمعالجة التحيز الكامن في المصادر الأدبية العربية. فقد أتاح استخدام الأدلة الوثائقية من علم الآثار، وعلم البرديات، وعلم الوثائق، وعلم المسكوكات، والنقوش، بالإضافة إلى النصوص الأدبية التي أنتجتها جماعات خارج العالم الإسلامي، والمقارنة بينها وبين المادة الأدبية الإسلامية-العربية، فتح آفاق جديدة. وقد اقترن هذا بتطور منهجي آخر بالغ الأهمية، هو دراسة الروابط مع الثقافات الماقبل اسلامية والمتزامنة جزئيًا مع الاسلام، وخاصة العصور المتأخرة القديمة وجزيرة العرب القديمة.
وقد أدت هذه المنهجيات مجتمعة إلى إنتاج أبحاث نابضة بالحياة متعددة اللغات والتخصصات، تُقدّم رؤًى جديدة إلى عالم نشوء الإسلام وتاريخه المبكر، مع تركيز خاص على الطبقات الاجتماعية المختلفة والعمليات التاريخية المتنوعة.
وقد أسهمت دراسة مصر الإسلامية المبكرة إسهامًا خاصًا في هذه التطورات الأكاديمية، بفضل وفرة المواد الوثائقية المحفوظة على شكل برديات. فقد كان البردي المادة الكتابية المفضلة في حوض البحر المتوسط والشرق الأدنى منذ إدخاله في الألف الثالث قبل الميلاد وحتى استبداله بالورق في القرن العاشر الميلادي.
كانت شرائح أفقية وعمودية مقطوعة من ساق نبتة البردي تُلصق معًا وتُسوّى لتشكّل سطحًا خفيفًا، متينًا، ومتعدد الاستخدامات للكتابة، وقد استُخدم هذا السطح الكتابي بالفعل في جزيرة العرب القديمة. وعندما وصل العرب إلى البحر المتوسط، واصلوا الاعتماد على البردي بوصفه مادّتهم الكتابية الأساسية، فاستُخدم في جميع أنواع النصوص الممكنة. فهناك رسائل خاصة ورسمية، ومراسيم وعرائض، وعقود قانونية، وإقرارات بدين، وتكاليف وقيود ضريبية، وقوائم بالسجناء، والمتحولين إلى الإسلام، ودافعي الضرائب، وسجلات ممتلكات أو دوائر حكومية، وملاحظات قصيرة لاستدعاء شخص إلى المحكمة أو إلى مناسبة خاصة، وتمائم، وتمارين تعليمية، ووصفات، وقطع من نصوص لاهوتية، وقانونية، وأدبية، وكلها كُتبت على البردي.
وبما أن هذه الوثائق كانت تلبي احتياجات يومية وأغراضًا عملية، فقد كان يتم التخلص منها عند انتفاء الحاجة إليها. وباعتباره مادة عضوية، فإن البردي لا يصمد جيدًا عند تعرّضه للعوامل الجوية. لكن في مصر، وفّرت الصحارى الجافة وغير الصالحة للاستغلال، والتي اعتيد أن تُلقى فيها هذه البرديات المهملة، ظروفًا شبه مثالية لحفظها على المدى الطويل. وقد نجا آلاف من وثائق البردي من الفناء في تلك البيئة، وبقيت على حالها حتى اكتُشفت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ضمن موجة البحث المحموم عن الآثار في تلك الحقبة. وبعد أن انتُشلت من الرمال، باتت البرديات تُقدّم لنا رؤية مباشرة وفريدة عن هموم المصريين ونشاطاتهم اليومية في ظل الحكم الإسلامي.
ومن خلال مقارنة الخطوط، واللغات، والتحركات، والانشغالات التي سجلتها الوثائق في مصر الإسلامية-العربية مع البرديات المصرية التي تعود إلى ما قبل الفتح العربي، يمكن إعادة بناء صورة للممارسات والعادات التي أدخلها الحكام الجدد إلى الإقليم، وكيف تفاعلت هذه مع العادات المحلية والتقاليد. كما أن مقارنة هذه البرديات مع نصوص من الشرق الأدنى وجزيرة العرب، وخصوصًا النقوش، توفّر معلومات مهمة حول خلفيات هذه الممارسات والعادات
نظام جديد
في السنة الثانية والعشرين للهجرة (643م)، تحركت وحدة عربية مؤلفة من فرسان وجنود مدججين بالسلاح وجنود بحرية صعودًا على ضفاف النيل في حملة تهدف إلى إخضاع مناطق جنوب مصر وجباية الضرائب منها. وأثناء عبورها لوسط مصر، حصلت هذه القوة على خمسٍ وستين شاة من السكان المحليين. وقد وثّقت إيصالًا مكتوبًا باللغتين اليونانية والعربية هذه المعاملة بتفاصيل دقيقة.
يروي لنا هذا النص، المحفوظ على بردية والمودع الآن في المكتبة الوطنية النمساوية، الكثير عن الحكّام الجدد، وأساليبهم في العمل، وتنظيمهم العسكري والإداري، وطريقة تفاعلهم مع السكان المحليين، واللغات التي استخدموها، بل وحتى تفضيلاتهم الغذائية.
وقد صيغ الإيصال باسم القائد العربي المسؤول عن الجيش الذي أخضع صعيد مصر، عبد الله بن جابر، لصالح كريستوفوروس وثيودوراكيوس، وهما من المسيحيين المصريين الذين شغلوا منصب الپاغرخ (رئيس الحي الإداري) لإقليم إهنّاس (هيراكليوبوليت اليونانية). وقد تم تأريخ الوثيقة باستخدام تقويم “الإندكشن” البيزنطي في القسم اليوناني، و”التقويم الهجري” في النص العربي. كُتب القسمان اليوناني والعربي من الوثيقة على يد كاتبين مختلفين: كتب يونان، الكاتب والشمّاس، القسم اليوناني، بينما كتب ابن حُديْد القسم العربي، كلٌ وفق تقاليده الكتابية والقانونية، ويبدو أن التنسيق بين النصين كان محدودًا.
لقد استُخدمت اليونانية في الإدارة البيزنطية لمصر، واستمرت كلغة رئيسية في الإدارة العربية. أما القبطية، وهي الشكل الأخير للغة المصرية، فقد دخلت إلى دواوين الدولة تحت الحكم العربي، بعدما كانت تستخدم فقط في الوثائق القانونية الخاصة أو شبه الخاصة. في الوقت ذاته، أُضيفت العربية مباشرةً كلغة إدارية كما هو واضح في هذه الوثيقة، رغم أن استخدامها مقارنة باليونانية والقبطية كان محدودًا في البداية.
ورغم أن النصين العربي واليوناني يقدّمان نفس المعلومات الأساسية، إلا أنهما يختلفان في التركيز والتعبير. يُعرّف النص اليوناني الأفراد المذكورين في الوثيقة بألقابهم، بما في ذلك تعريب للكلمة العربية “أمير” في وصف عبد الله بن جابر. أما الكاتب العربي فاكتفى بالأسماء، لكنه أضاف النَّسب (الذي يغيب في النص اليوناني). ويورد النص العربي تمييزًا بين “خمسين شاة للذبح وخمس عشرة شاة أخرى”، بينما يسرد النص اليوناني العدد بالأرقام وتهجئة الحروف، متبوعًا بتوصيف “فقط” (μόνα).
ويُشير النص العربي إلى أن الشياه مُنحت لجنود عبد الله لأجل الذبح، أما النص اليوناني فيذكر أنها جزء من الـ”داباني” (δαπάνη)، وهو مصطلح مالي تقني يُستخدم للدلالة على الضرائب العينية المخصصة لصيانة العرب. وأخيرًا، كُتب النص العربي بصيغة الغائب حسب عادة الوثائق القانونية العربية، بينما صيغ النص اليوناني بصيغة المتكلم وأوضح أن الوثيقة تمثل دليلًا على تنفيذ المعاملة.
الإيصال الموضح أعلاه ليس إلا خطوة واحدة في إجراء توثيقي موسّع يتعلق بتخصيص وجمع الرسوم المفروضة من قبل العرب على السكان المصريين. إذ تسبق المذكراتُ المطالبةُ عمليةَ المصادرة وإصدار الإيصالات بالمواد أو الخدمات التي تم الحصول عليها. وتحتوي هذه المذكرات، مثل الإيصال المبحوث، على إشارات إلى ممارسة تسجيل المعاملات للاحتفاظ بها كمرجع، وتوضح الهدف من الفروض، وتُقدّم أدلة على وجود نظام دقيق في الحساب والتوثيق يمتد من العاصمة الفسطاط إلى الإقليم بأسره منذ بداية الحكم العربي.
ورغم أن الرومان كانوا يجمعون الضرائب العينية كذلك، فإن الإداريين العرب طوّروا هذه الممارسة ووسّعوها، فزادوا من الكميات والأنواع المطلوبة من السكان. كما أدخلوا ترتيبات تسمح باستبدال هذه الضرائب العينية بمدفوعات نقدية عن طريق الحرفيين والوسطاء، مثل الخبازين والنساجين. وقد شكّل قرار العرب بعدم تقسيم الأراضي المفتوحة بين الجنود، بل تعويضهم بالرواتب والمدفوعات العينية التي يُؤمنها السكان الخاضعون للحكم، نواة النظام الذي توسّع لاحقًا ليشمل فئات ومشاريع أخرى ضمن الإدارة العربية. وتُظهر البرديات أعدادًا كبيرة من الطلبات المتعلقة بالعلف، والطعام، والملبس، والمأوى للجنود والإداريين المسافرين وحيواناتهم.
إحدى هذه المذكرات اليونانية صدرت باسم القائد ووالِي مصر، عمرو بن العاص (توفي 43هـ/664م) بنفسه. وتُوجّه المذكرة رئيس حي إهنّاس (هيراكليوبوليت) في يناير سنة 643م أن يرتّب مع إحدى قرى منطقته بيع علف لعامر بن أسلى، قائد وحدة محلية من الجنود العرب، بسعر محدد هو ديناران لأربع حزم، وأن يستضيف رجال عامر لمدة ثلاثة أيام. ويحذّر عمرو بن العاص الپاغرخ قائلًا: “تأكد من أخذ إيصال بذلك”، ويضيف ألا يُسمح لأي قوات أخرى بالإقامة في البلدة. وعلى ظهر الوثيقة توجد ملاحظة تؤكد أن قرية كيفالي قد وفرت بالفعل العلف المطلوب.
مجموعة أخرى من البرديات اليونانية تسجل المطالب المفروضة على إقليم هيرموبوليت (الأشمونين) في وسط مصر في السنوات التالية لوصول العرب. فقد أرسلت الدواوين المركزية طلبات عديدة إلى الپاغرخ ومسؤوليه تطالب بمواد، وأخشاب، وحجارة، وحبال لبناء منشآت عامة في الفسطاط. وتُظهر البرديات اليونانية والقبطية كيف استقبل هذه المطالب وتعامل معها مسؤول محلي يُدعى سينوثيوس، كاتب (notarios باليونانية) وضابط مالي وإداري (anystēs باليونانية) كان يخدم البيزنطيين في نفس المنصب الذي شغله لاحقًا تحت حكم العرب.
وفي إحدى الحالات، يتلقى أمرًا بإغلاق الطرق المؤدية إلى بلدته وفرض غرامة على كل من يحاول التهرب من دفع ضريبة الرأس الجديدة التي أعلنها الأمير. وتُسمى هذه الضريبة بـ أندريسموس في البردية اليونانية، وهو مصطلح تقني جديد لضريبة مستحدثة من قبل العرب. ويُناقش لاحقًا مدى مطابقة هذه الضريبة لما يُعرف في القرآن بالجزية.
عنصر آخر جديد في النظام المالي يتمثل في شكل مذكرات المطالبة الضريبية وكذلك الإيصالات الصادرة عن الدواوين العربية. فباستخدام النموذج الوثائقي القانوني القديم للشرق الأدنى والمُعتمد على الوثائق المزدوجة، أدخلت المالية الإسلامية في مصر ممارسة إصدار ملخصات مؤمنة للوثائق الرسمية تكون مثبتة عليها بشكل لا يمكن نزعه ومخفاة عن أعين غير المخوّلين. كانت مذكرات المطالبة والإيصالات تحتوي على المعلومات مرتين: مرة بشكل ظاهر وكامل، ومرة أخرى في صيغة مختصرة توضع في أسفل الوثيقة، وتُلف وتُختم بختم. لا يُكسر هذا الختم ولا تُفتح الخلاصة المختصرة إلا في حالات الخلاف أو الاشتباه بالفساد. وتؤكد الوثائق اليونانية والقبطية والعربية من مصر الإسلامية اعتماد هذه الممارسة.
تُظهر هذه البرديات أن العرب أدخلوا إلى مصر نظامًا توثيقيًا كتابيًا متطورًا يختلف عن التقاليد المحلية، كما أدخلوا مفاهيم وممارسات إدارية – وربما قانونية – جديدة. ومن الواضح أيضًا أن هذا النظام الجديد امتد إلى مناطق بعيدة عن العاصمة الفسطاط والمعسكرات التي استقر فيها معظم الجنود العرب. وأخيرًا، تُبرهن البرديات على وجود إدارة كتابية متقدمة تُسجّل أنواع وتواتر الضرائب المفروضة على المجتمعات وتُنتج وثائق تضمن المساءلة وإمكانية تتبّع المعاملات. وتجمع هذه الممارسات الإدارية التي أدخلها العرب إلى مصر بين عناصر من تقاليد الشرق الأدنى والتقاليد البيزنطية السابقة. ويبدو أن خلفية الشام الهيلينية أو العادات العربية المتاغرقة لعبت دورًا مرجّحًا، كما سيُناقش في الخاتمة. أنماط الاستهلاك والثقافة المادية
لا تسجل البرديات فقط كيفية تسليم الطعام للعرب، بل تُوثّق أيضًا نوعية المنتجات التي كانوا يستهلكونها. فقد أدخل العرب إلى مصر تفضيلاتهم الغذائية الخاصة وثقافتهم المادية. ففي الإيصال الثنائي اللغة المذكور سابقًا، تسلّم الجنود العرب أغنامًا للذبح، يُفترض أنها كانت مخصصة لاستهلاكهم الشخصي. وتؤكد برديات أخرى ميل العرب إلى لحم الضأن، إذ تسجل طلبات من الإدارة العربية للحصول على لحم الضأن والزبدة لصالح الجنود والمسؤولين العرب. ويُلاحظ هنا أن تفضيل العرب للزبدة يتناقض مع اعتماد المصريين قبل الإسلام على الزيت.
أما الكميات الكبيرة من مشروب الهبسيمة (عصير العنب المغلي حتى يصبح شرابًا مركزًا) التي طالبت بها الإدارة العربية من السكان المصريين، فلا تزال تمثل لغزًا إلى حد ما. فقد كان هذا المشروب معروفًا في مصر البطلمية والرومانية، غير أن أوسع التوثيقات له تظهر في برديات العصر العربي، بدءًا من وقت وصول العرب مباشرة. وكان العرب يطلبون هذا الشراب بكميات ضخمة لا لصالح البحارة والعمال العاملين في الأسطول البحري المتمركز في موانئ الإسكندرية، وقُلْزُم، وجزيرة الروضة، وكذلك للإداريين المنتشرين في جميع أرجاء الإقليم.
وعلى النقيض من ذلك، تُظهر الكميات الكبيرة من جرار النبيذ (أمفورات) التي عُثر عليها في مصر، أن استهلاك النبيذ – خصوصًا النبيذ الفلسطيني – قد ازداد بالفعل في ظل الحكم العربي. ويُعد أول ذكر للأراضي المصرية التي كانت تدار لصالح الخليفة هو عقد عمل في كرم عنب بمنطقة الفيّوم.
كما تحتوي البرديات على معلومات تتعلق بالثقافة المادية التي بدأت تتشكل في مصر تحت الحكم العربي. ولا يُعرف الكثير بعد عن المباني التي أقامها العرب في الفسطاط فور الفتح لنتمكن من تحديد ما إذا كانت أنماط معمارية جديدة قد ظهرت. فأنواع مواد البناء المستخدمة في البدايات، ووجهات استخدامها لأغراض إدارية أو احتفالية، لم تكن مميزة بعد. ولا تظهر الطلبات المتعلقة بمواد البناء والأيدي العاملة من أجل تشييد المساجد في النصوص إلا في مطلع القرن الثامن الميلادي، وحتى حينها لم تكن تتعلق بالفسطاط، بل بدمشق والقدس.
ولا يزال من الصعب دعم محاولات الربط بين الهياكل المعمارية في الفسطاط والأصول الإثنية المفترضة للفاتحين العرب.
ومع ذلك، يمكن تتبع التحولات في الثقافة المادية من خلال البرديات في مجالات أخرى. فقد استخدم العرب الأختام على الوثائق لأغراض التعريف والسيطرة على محتوى النص، كما كانت العادة في الشرق الأدنى ومصر. إلا أن تطبيق الأختام شهد ابتكارات تحت الحكم العربي، حيث أُعيد إدخال ممارسات غير مصرية من الشرق الأدنى مثل وثائق الطيّ المزدوج إلى مصر (كما ذُكر أعلاه). وقد شهدت أشكال الأختام وزخارفها تداخلاً بين الاستمرارية والتجديد، مما أدى إلى ظهور نماذج جديدة.
في مطلع القرن الثامن، طُبقت إجراءات إدارية تهدف إلى زيادة الأسلمة والتعريب في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية. وتُعدّ هذه الإجراءات أكثر وضوحًا في النقود التي أصدرها الحكم الإسلامي، حيث استُبدلت صور الحكّام والرموز الدينية بعبارات قرآنية باللغة العربية. وعلى نحو مماثل، أُدخلت اللغة العربية إلى دواوين الدولة الإسلامية إلى جانب اللغات المحلية، ضمن سياسة الخلافة الداعمة للتعددية اللغوية.
وكما أُشير سابقًا، استمر استخدام اللغتين اليونانية والقبطية في دواوين مصر لعدة أجيال، لكن استخدام العربية امتد تدريجيًا حتى أصبح المصريون جميعًا يستخدمونها في التواصل المكتوب والشفهي، الخاص والرسمي. وبحلول القرن التاسع الميلادي، أصبحت العربية لغة الكتابة المفضلة لدى أغلب المصريين، وازدهر الأدب المسيحي المصري باللغة العربية بحلول القرن الثاني عشر الميلادي.
ومن التدابير الأخرى التي هدفت إلى الأسلمة منع استخدام الصليب علنًا، بما في ذلك على الوثائق الرسمية. إلا أن النص اليوناني في الإيصال الثنائي اللغة المتعلق بخمسٍ وستين شاة – كما كان شائعًا في جميع الوثائق اليونانية والقبطية آنذاك – يبدأ برمز الصليب، ويظهر صليب آخر في توقيع الكاتب. غير أن هذا الرمز المسيحي سرعان ما استُبدل بخط مائل واحد أو خطّين في الوثائق اليونانية والقبطية التي أُنتجت من قِبل أو لأجل الإدارة العربية-الإسلامية. ومع ذلك، استمرت ممارسة بدء النصوص، بما فيها الرسمية، بالصليب في بعض الحالات حتى القرن الثامن الميلادي.
أما المباني الدينية التي رعتها الدولة، مثل الجوامع الكبرى في القدس والمدينة ودمشق، والتي أُنشئت في مطلع القرن الثامن، فقد خلت من أي تصوير رمزي. وعلى النقيض من ذلك، استمرت الأختام التي استخدمها موظفو الدواوين العربية في مصر في إظهار صور بشر وحيوانات. وهذا يوضح أن التدابير الإدارية التي انطلقت من مركز الدولة لم تُنفذ في جميع أرجاء الإمبراطورية في الوقت ذاته. ولم يُنظر إلى جميع الدوائر الإدارية على أنها متماثلة، مما أدى إلى أن بعض الأشياء الخاصة، كالأختام والوثائق، قاومت النزعة نحو التوحيد الإمبراطوري
حكم إسلامي؟
لقد كان لوصول العرب إلى مصر أثر واضح في مجال التوثيق والثقافة المادية، مما يشير إلى أن الحكام الجدد جلبوا معهم عاداتهم وتقاليدهم التي اختلفت عن الممارسات المحلية، لكنها تفاعلت معها في آنٍ واحد. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى يمكن ربط التغيرات الملحوظة في الوثائق بنظام ديني جديد؟
إن القسم اليوناني من الإيصال الثنائي اللغة المؤرخ بسنة 22 هـ / 643 م، والخاص بخمسة وستين شاة، يتوافق إلى حد كبير مع الأساليب والممارسات السائدة في مصر قبل الإسلام، بما في ذلك رمز الصليب الذي يبدأ به. ويمثّل هذا القسم أيضًا، بطرق أخرى، التقاليد المصرية المحلية، رغم أنه أُنتج في إطار رسمي عربي-مصري يوناني مشترك تحت إدارة المسلمين. إلا أن القسم اليوناني يحتوي على مؤشر لافت يفيد بأن السياق العربي-الإسلامي الذي كُتب فيه الإيصال قد ترك بعض الأثر الديني على النص اليوناني، حيث يبدأ النص العربي بالدعاء المعروف: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أما النص اليوناني فيبدأ بصيغة: «باسم الله» (ἐν ὀνόματι τοῦ θεοῦ)، وهي عبارة مقبولة تمامًا لدى جمهور مسيحي مصري، لكنها تمثّل انقطاعًا تامًا عن الصيغة السائدة في الوثائق اليونانية والقبطية في ذلك الوقت، والتي كانت عادة ما تبدأ بذكر الآب والابن والروح القدس، أو ما يعادلها.
وقد تم تأريخ القسم اليوناني من الإيصال بحسب نظام “الإندكشن” البيزنطي، مع استعمال اسم لشهر قبطي. أما القسم العربي فتم تأريخه بشهر “جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين”. وعلى الرغم من أن الوثيقة لا تذكر صراحة نوع التقويم المستخدم، فإن التوافق بين التاريخين الواقعين في سنة 643 م يشير إلى أن القسم العربي يستخدم التقويم الهجري. ويُشار إلى التقويم الهجري أحيانًا في البرديات اليونانية والقبطية بعبارات مثل “بحسب السراسين” (kata sarakēnous) أو “بحسب العرب” (kata arabas)، إلا أن مثل هذه الإشارات لا توجد في النصوص العربية. ومع ذلك، تظهر في بعض الوثائق القانونية المبكرة عبارة “على سُنّة قضاء المؤمنين”، مما يدل على أن هذا النظام الزمني كان مرتبطًا، في نظر مستخدميه، بنظام قانوني ذي طابع ديني.
لكن الملاحظة الأهم هي أن العرب أدخلوا تقويمًا جديدًا إلى جميع أرجاء إمبراطوريتهم مستندًا إلى حدث وقع عام 622م (الهجرة النبوية)، وكان مهمًا بما يكفي ليكون أساسًا لحساب الزمن. وقد استُخدم التقويم الهجري كتاريخ مطلق في الوثائق اليونانية، والقبطية، والثنائية اللغة المرتبطة بالإدارة المالية.
ويُشير ردّ الفعل الملحوظ في أنظمة التأريخ في البرديات اليونانية والقبطية إلى أن التقويم الهجري كان يُنظر إليه على أنه ذو طابع إمبراطوري وربما ديني أيضًا. فالتقويم المستند إلى حكم الإمبراطور دقلديانوس (بدءًا من 284/285م)، والذي عُرف لاحقًا بـ”عصر الشهداء”، كان يُستخدم في مصر قبل الفتح العربي فقط في التنجيم والنقوش الجنائزية، ولم يُعتمد في الوثائق إلا بعد الفتح. وتُعد بردية يونانية مؤرخة بسنة 657/658م أول توثيق لاستخدام هذا التقويم في الوثائق، ويبدأ ظهوره في البرديات القبطية منذ القرن الثامن. ويُفهم من ذلك أن غير المسلمين من المصريين قابلوا التقويم الهجري بتأكيد تقويمهم الخاص المرتبط بعصر دقلديانوس.
أما أول إشارة إلى الإسلام أو المسلمين (أهل الإسلام) وإلى النبي محمد، فتظهر على شاهد قبر في مصر مؤرخ بسنة 71 هـ / 691م، بينما لا تظهر إشارات مشابهة في البرديات إلا في عشرينيات القرن الثامن الميلادي. وفي الإيصال الثنائي اللغة المؤرخ بـ22 هـ / 643م، يُشار إلى المسلمين العرب في النص العربي بكلمة “الأصحاب”، بينما يُطلق عليهم في النص اليوناني تسميتا sarakēnoi وmōagaritai، وهي تعريب يوناني لكلمة “المهاجرون” العربية. وسراسين (sarakēnos) كان مصطلحًا يستخدم في البرديات المصرية ما قبل الإسلام وما بعده للإشارة إلى أفراد يُفترض انتماؤهم إلى العرب.
أما mōagaritai، فهو المصطلح اليوناني المقابل لكلمة muhājirūn في العربية، والتي كانت تُستخدم في المصادر السريانية (mahgraye) واليونانية للإشارة إلى العرب الفاتحين الذين هاجروا من ديارهم إلى الأراضي الجديدة. كما استُخدم مصطلح المؤمنين (muʾminūn) للإشارة إلى المسلمين العرب. وقد وردت سابقًا الإشارة إلى عبارة “على سُنّة قضاء المؤمنين”، وهي تدل على نظام قانوني ذا طابع ديني. وغالبًا ما يُسمى الخليفة بلقب “أمير المؤمنين” حتى في الترجمات اليونانية والقبطية. وتوجد إشارة نادرة في بردية يونانية من أواخر القرن السابع تطلق على الخليفة لقب prōtosymboulos، أي المستشار الأول.
وتشير البرديات إلى القصور الملكية ونفقات الصيانة وغيرها من مصاريف أمير المؤمنين، غالبًا في سياق التوريد والإسهامات المفروضة على المصريين، كما تشمل إشارات إلى ممتلكات زراعية تعود للخليفة، وإن لم يكن من الواضح إن كانت هذه تعود له شخصيًا أم للحكومة الاموية عمومًا.
وأخيرًا، تُوصَف الإدارة الإمبراطورية والعاملون فيها أحيانًا بأنهم “موالي أمير المؤمنين”.
وقد تم تحديد الحكام الجدد في الوثائق بأسمائهم ومصطلحاتهم الخاصة، لكن هذه التسميات ليست بالضرورة ذات طابع ديني أو إسلامي صريح. فهي تؤكد أن الحكّام كانوا مختلفين عن السكان المحليين، لكنها لا توضّح ما إذا كان هذا الاختلاف دينيًا. فكلمة مؤمنون قد تشير في القرن السابع الميلادي إلى أتباع ديانات توحيدية مختلفة. أما مصطلح المهاجرون، فيُشير بوضوح إلى أن القادمين الجدد كانوا قد غادروا موطنهم الأصلي في جزيرة العرب ضمن الفتح الإسلامي. لكن كيف كانت تُصنّف علاقتهم بالسكان المصريين؟
من الواضح أن التمايز لم يكن بين مسيحيين ويهود مصريين من جهة، ومسلمين عرب من جهة أخرى، بل بين محكومين وحكام، أو بين دافعي ضرائب ومتلقين للعائدات. بمعنى آخر، كان التمييز ذا طابع سياسي-اقتصادي، لا ديني. وتؤكد هذا الطابع الطريقة التي تُصنّف بها البرديات المصريين، إذ لا يُوصفون بأنهم “مسيحيون” أو “يهود”، بل بأنهم “أهل الأرض”. كما تظهر تسميات مثل الأقباط (qibṭ, qibṭī)، لكنها لا تحمل المعنى الديني الميافيزيتي الذي اكتسبته لاحقًا في القرون الوسطى. فكلمة قبط، وهي تعريب لكلمة Aegyptos اليونانية، تشير ببساطة إلى سكان المقاطعة بغض النظر عن دينهم، وهذا هو المعنى الذي تحمله الوثائق العربية أيضًا.
وتشير الإشارات الأولى إلى الذمة، أي الحماية الممنوحة لغير المسلمين بموجب شروط الفتح، إلى حالة قانونية-إدارية لا إلى وضع ديني صريح. وتُظهر وثيقة مؤرخة بسنة 168هـ/784م قائمة تصنيفية لمجموعات السكان، وتُدرج أهل الذمة كفئة متبقية من أصحاب الأراضي والعمال الزراعيين، يُفترض أنهم كلهم من غير المسلمين المصريين. وفي نص صادر عن مدير الخزانة سفيان بن قُرعة لوالي مصر عبد الله بن المسيّب (تولّى مصر سنة 176هـ/793م)، يُخاطب سكان أقاليم إهنّاس والبهنسا وواحتها بصيغة “المسلمين وأهل الذمة”، لكن الأهمية هنا تعود إلى الوضع القانوني، لا إلى الهوية الدينية.
بعبارة أخرى، تشير هذه النصوص إلى أن السكان غير المسلمين في الريف المصري صُنّفوا ضمن فئات سياسية-اقتصادية لا دينية، مع أن إحدى هذه الفئات، وهي أهل الذمة، كانت حكرًا على غير المسلمين. ولم يبدأ تبلور الهوية الدينية، بالإضافة إلى المحددات العرقية والجغرافية، في سجلات الوثائق المصرية إلا في القرن التاسع الميلادي، أي بعد قرنين من الفتح العربي. وقد كانت هذه التحولات نتيجة إعادة تشكيل ديموغرافي عميقة ناتجة عن الهجرة والتحول الديني.
وتُظهر تسميات الهوية المستخدمة مع الحكام العرب المسلمين أنهم كانوا يشكّلون فئة متميزة ومنفصلة عن السكان المحليين، ذات عادات لغوية وثقافية وإدارية خاصة. ورغم أن هذه التسميات لا تدلّ دائمًا على هوية إسلامية خالصة، فإن هناك بعض المؤشرات على أن العرب كانت لديهم أفكار وممارسات دينية خاصة تميزهم عن السكان. وقد سبق مناقشة كيفية ظهور التوحيدية الصريحة في الصيغ الافتتاحية للوثائق. وتربط بعض العناصر الأخرى في البرديات العربية بالقواعد الفقهية الإسلامية التي ناقشتها لاحقًا كتب الفقه.
ومن الأمثلة على ذلك: الوضع القانوني للوثائق. ففي الإيصال الثنائي اللغة المذكور، يحتوي القسم اليوناني على عبارة غير موجودة في النص العربي: “وقد حرّرت هذه الوثيقة كدليل على التسليم”. أما وفقًا للشريعة الإسلامية، فإن الوثيقة المكتوبة لا تُعد بحد ذاتها دليلًا قانونيًا على المعاملة، بل الشهادة الشفوية من شاهدين مسلمين (رجلين أو أربع نساء). وقد يُفسّر هذا الفارق القانوني سبب غياب هذه العبارة عن النص العربي.
ويتوافق القسم العربي من الإيصال أيضًا مع مبدأ قانوني إسلامي آخر، إذ كُتب بصيغة الغائب، على النقيض من الصيغة المتكلمة في النص اليوناني، بما يتناسب مع نمط الوثائق القانونية الإسلامية التي تُصاغ من وجهة نظر الشهود. وعلى الرغم من قلّة ما نعرفه من الوثائق القانونية العربية في أول قرنين من الإسلام، فإن ما لدينا يتبع هذا النموذج الموضوعي. وتحتوي وثائق عربية مبكرة أخرى على إشارات لمؤسسات ومفاهيم قانونية إسلامية نوقشت لاحقًا في كتب الفقه.
أما الشعائر الإسلامية، فلا تُذكر كثيرًا في البرديات العربية من القرنين الأولين. وقد طُلبت مساهمات المصريين العينية والنقدية والبشرية لبناء الجوامع الإمبراطورية الكبرى في القدس ودمشق في أوائل القرن الثامن الميلادي، غير أن البرديات لا تشير إلى مساجد في مصر قبل القرن التاسع. والاستثناء الوحيد هو الحج، فقد كشفت رسالة عربية تعود إلى الفترة بين 86–99هـ / 705–717م كيف رتب اثنان من كبار مسؤولي مصر شؤونهما للانضمام إلى قافلة الحج التابعة للخليفة. وتحتوي رسائل أخرى من القرن الثامن الميلادي على مزيد من المعلومات حول الاستعدادات الروحية والعملية للحج.
وتُظهر البرديات أيضًا أن المسلمين في مصر كانوا يدفعون الصدقة/الزكاة منذ الربع الثاني من القرن الثامن الميلادي، ويبدو أن هذه الضريبة المفروضة على أموال المسلمين كانت تؤدى كواجب مالي أكثر من كونها فرضًا دينيًا، رغم أن المطالبات بها كانت تتضمن إشارات دينية.
وبالمثل، يمكن تفسير ضريبة الرأس التي فُرضت من الجيل الأول من الحكام المسلمين في مصر، تحت مسمى يوناني جديد هو andrismos، على أنها وسيلة سهلة نسبيًا لجمع الأموال من السكان. لكنها قد تُفسر أيضًا على أنها تطبيق لضريبة الجزية الواردة في القرآن، والتي تُجبى من غير المسلمين من أهل التوحيد. وتظهر كلمة جزية في بعض البرديات العربية منذ أوائل القرن الثامن الميلادي، لكنها تشير إلى الضرائب النقدية عامة لا إلى الجزية بالمعنى الفقهي الاسلامي. وتشمل المصطلحات العربية الأخرى المستخدمة لضريبة الرأس: جزية الرأس وابتداءً من أوائل القرن التاسع: جالية، لكن دون دلالة دينية واضحة، سواء في التطبيق أو في الاصطلاح.
إن المصطلحات والمفاهيم والتنظيمات التي ناقشتها لاحقًا المعالجات اللاهوتية والفقهية الإسلامية العربية بوصفها جزءًا من نظام ديني-قانوني متكامل، نجد أصولها حاضرة بالفعل في المواد البردية من القرنين الأولين للحكم الإسلامي في مصر. غير أنه لا يمكن تحديد ما إذا كانت هذه الإشارات تمثل بالفعل نظامًا دينيًا إسلاميًا ناضجًا آنذاك، أم أنها كانت جزءًا من ثقافة دينية-قانونية شرق أوسطية مشتركة شكّلت الأساس للشريعة الإسلامية، وكانت تتكيف تدريجيًا مع الواقع السياسي-الاجتماعي الجديد للإمبراطورية العربية الإسلامية من خلال التفاعل مع الثقافات المغلوبة.
أنماط الابتكار والتأثير
يتوافق استيلاء العرب على مصر إلى حد كبير مع أنماط التغيير السياسي في الشرق الأدنى القديم والوسيط. فقد احتكر العرب المناصب العليا مثل الوالي، والقاضي الأعلى، ومشرف جمع الضرائب، ورئيس الشرطة في العاصمة، كما نزعوا المهام العسكرية من المعيّنين المحليين، وخصّوا بها مسؤولين إداريين-عسكريين من قبلهم. ومع ذلك، بقيت غالبية المناصب الإدارية على حالها، وكذلك المسؤولون القائمون عليها.
وقد تعزّز هذا الاستمرار من خلال مواصلة الدواوين العربية في الفسطاط وسائر أقاليم مصر استخدام اللغات الإدارية، والمصطلحات، والرموز التي كانت سائدة في مصر البيزنطية. وهكذا، استمر نفس الأشخاص في تولي الإدارة وتنفيذ مهامهم بلغة وأسلوب لم يختلف كثيرًا عمّا كان سائدًا في القرون السابقة. وباختصار، ساد شعور بالاستمرارية خلال استيلاء العرب على مصر في منتصف القرن السابع الميلادي. وقد جادلتُ في موضع آخر أن هذه الاستمرارية كانت نتيجة خيارات استراتيجية اتخذها النظام العربي-الإسلامي، وأيضًا ظروف الفتح العربي نفسه.
وقد سارت إقامة الحكم العربي في مصر على نمط التغيّرات السياسية المألوفة في الشرق الأدنى، إلا أن استمرار هذا الوضع في مصر كان نتيجة لظروف تاريخية خاصة. فلم تُنفّذ الإصلاحات الشاملة على مستوى الإمبراطورية، والتي بدأها الخلفاء المروانيون الأمويون في دمشق وهدفت إلى تعميق الأسلمة والتعريب في الإدارة والحكم، إلا بعد مرور نحو ستين عامًا على استقرار الحكم العربي في مصر. وكانت هذه الإصلاحات مدفوعة جزئيًا بتطورات داخلية في الخلافة، بما في ذلك الضغوط المالية، وأيضًا بظروف سياسية خارجية، ولم يكن النظام العربي قويًا وواثقًا بما يكفي لتنفيذ إعادة تنظيم جذرية إلا في تلك المرحلة.
وتُظهر البرديات أن قصة الاستمرارية التي وسمت الحكم والتنظيم في مصر، والتي لم تُستبدل بتحولات جذرية إلا بعد جيلين، لها بُعد إضافي. فبينما حافظ العرب في البداية على معظم الهياكل الإدارية والمالية والتنظيمية، إلا أنهم أدخلوا في الوقت ذاته ابتكارات على المستوى الإداري والكتابي والمالي. فقد عمل الحكام الجدد بلغة جديدة، وفرضوا ضرائب جديدة تقوم على بنية اقتصادية مختلفة، وأنتجوا وثائق أكثر عددًا ومختلفة في أهدافها عمّا كان عليه الأمر في العهود السابقة.
ومن المؤسسات الجديدة التي ظهرت: الديوان، وهو سجل الأفراد الذي استُخدم لتوزيع الأعطيات (الرواتب) على العرب في مصر، ورعي الحيوانات المستخدمة في الحملات العسكرية، والغزو السنوي للأراضي البيزنطية، وكلها كانت تتطلب حفظ سجلات دقيقة. وسُجلت على البردي قوائم “الأصحاب” (العرب) ووثائق أخرى تتعلق بتنظيم الأعطيات وتوزيعها على الجنود وأتباعهم. كما أنتجت التعدادات والمسوح الكبرى للأراضي تقارير مفصلة عن الملكيات العقارية ووصف الممتلكات والظروف الفردية.
كان واضحًا أن الإجراءات التي اتخذها الحكام الجدد هدفت إلى تعظيم استغلال الأرض والعائدات المتأتية منها. وفي الوقت ذاته، كانت الوثائق المنتجة لهذا الغرض تخدم المصريين كما تخدم العرب. فمن الإيصالات الخاصة بالتسليمات للجنود العرب أثناء تنقلهم في الريف، إلى مذكرات الطلب الضريبي والإيصالات المتعلقة بجمع الضرائب، تُظهر برديات العصر العربي ثقافة واضحة من التوثيق والمحاسبة والمساءلة. وتناولت بعض الوثائق العربية المبكرة تنظيم المدفوعات للأيتام والفقراء، مما يشير إلى اهتمام إداري بهذه الفئات.
وقد ولّدت هذه الممارسات والمؤسسات الجديدة مفردات جديدة، بما في ذلك ألقاب عربية وكلمات أُعربت إلى اليونانية، وكذلك مصطلحات فنية يونانية وقبطية، وبعضها مترجم من اللاتينية أو من أصل لاتيني ولم يكن مستخدمًا في مصر قبل الفتح العربي. ومن ذلك على سبيل المثال:
- Symboulos (مستشار أو والي) وprōtosymboulos (المستشار الأول = الخليفة).
- Amiras وAmiralmoumnin كصيغ يونانية للأمير وأمير المؤمنين.
- Andrismos لضريبة الرأس، وcursus للغزو السنوي.
كما أُدخلت ممارسات إدارية مثل استخدام الأختام في الوثائق لضبط الوصول إلى محتواها، وتوسيع الدفع بالضرائب العينية، والنظام الذي مكّن ذلك. ومن الإصلاحات أيضًا إدخال وحدات ضريبية زراعية أصغر، وهو ما يعكس رغبة في ترشيد تنظيم الريف. وأخيرًا، تُظهر البرديات أن الحكّام الجدد كانت لهم تفضيلات غذائية وعادات ثقافية مختلفة.
من الواضح إذن أن العرب أدخلوا إلى مصر ثقافة إدارية ومادية – وربما دينية وقانونية – ميّزتهم عن السكان المحليين. ويبدو أنهم كانوا حكّامًا ذوي خبرة، ويتضح ذلك من الابتكارات الإدارية التي أدخلوها، والكمّ الكبير من الوثائق التي أنتجوها، ومن التوازن الذي حققوه بين فرض التغيير والقبول بالاستمرارية، وبين التعاون مع السكان المحليين وفرض النظام الجديد. لقد كان الدافع وراء الحكم العربي في مصر اقتصاديًا وإداريًا بالدرجة الأولى، وليس دينيًا.
وتُشير بعض الكلمات اليونانية التي تظهر لأول مرة في برديات مصر العربية-الإسلامية إلى خلفية شامية. كما أن الممارسات الإدارية والكتابية التي أُدخلت في فترة الفتح والسنوات التالية تُظهر تواصلًا مستمرًا مع التقاليد البيزنطية. أما الكلمات والأسماء العربية التي تظهر في البرديات اليونانية من جنوب الأردن والنقب قبل الفتح العربي، فتتميز بسمات لغوية تختلف عن تلك الموجودة في البرديات اللاحقة، مما يدل على أن متحدثين بالعربية أقل اندماجًا في المحيط الناطق باليونانية قد أصبحوا مهيمنين بعد الفتح.
وفي الوقت نفسه، تُظهر برديات ما بعد الفتح من مصر أسماء عربية مهلينة، مما يدل على هجرة عرب مهلنين من الشام إلى مصر في سياق الفتوحات. وتُظهر أسماء عربية أخرى في برديات ما بعد الفتح سمات لغوية غير مهلينة، مما يشير إلى تدفّق متزامن من شبه الجزيرة العربية. كما أن الخط المستخدم من قِبل الجيل الأول من الإداريين والكتبة العرب في مصر يظهر صلةً مع التقاليد الكتابية العربية التي نعرفها من النقوش في شبه الجزيرة والمناطق المجاورة.
ومن اللافت أن الإداريين العرب الذين ظهروا في مصر أواخر القرن السابع الميلادي كانوا على ما يبدو من خلفية مهيلنة أيضًا. وربما كانوا قد اكتسبوا خبرة إدارية وحكومية في الإمبراطورية البيزنطية ثم نقلوها إلى مصر عندما تولّوا المناصب هناك. فهؤلاء الرجال – عرب منغمسون في التقاليد البيزنطية الإدارية والثقافية – كانوا على الأرجح الأنسب لتنفيذ الإصلاحات الإدارية. وقد وصلت أيضًا تأثيرات ساسانية إدارية وأيقونية إلى مصر تحت الحكم العربي، إذ تبادلت أرجاء الإمبراطورية الإسلامية الممارسات الثقافية والإدارية.
لقد أُدخلت إلى مصر، بعد الفتح وفي العقود التالية له، ممارسات ثقافية وإدارية عربية بُنيت على تقاليد الشرق الأدنى والرومانية-البيزنطية، سواء من الجزيرة العربية أو من المشرق عمومًا، بما في ذلك مصر.
وتُظهر المواد البردية من مصر العربية كيف أثّر الحكم الجديد على الحياة اليومية للمصريين والعرب المقيمين فيها. ومن خلال المقارنة بين ما تغيّر وما استمر، يمكننا إعادة بناء الحمولة الإدارية والمادية والثقافية التي جلبها الحكّام الجدد إلى مصر، بما قد يقودنا إلى فهم السياق الإداري والسياسي في زمن النبي محمد. وفي الوقت نفسه، تُظهر البرديات كيف أن الحكام العرب، بمعونة شركائهم المصريين، نجحوا في تحقيق توازن دقيق بين المحافظة والابتكار، وبين الاستمرارية والتغيير، بما مهّد لتحوّل ناجح من مجتمع فاتح إلى إمبراطورية إسلامية فعّالة







