كثير من الإدعاءات البعيدة عن الحقيقة التاريخية قد تتحول إلى مسلمات بفعل تكرارها، كادعاء الإجتماع على الاعتراف بخلافة ابن الزبير، والتي لا تصمد أمام أدنى اختبار لصحتها. والزبيرية حركة قادها عبد الله ابن الزبير بن العوام ابتداءا من مكة لتتوسع بعد ذلك في ظل فراغ سياسي تسببت فيه وفاة يزيد بن معاوية وهو في سن الشباب بشكل مفاجئ بعد حصار عنيف على مكة لم يكتمل بسبب هذه الوفاة ووفاة ابنه معاوية الثاني من بعده بفترة وجيزة جدا. لدرجة أن أكثر المتقدمين لم يذكره ضمن خلفاء بني أمية، مما يؤكد أن خبر وفاة معاوية الصغير قد انتشر بالتوازي مع خبر وفاة يزيد بن معاوية.
مما قوض الغطاء السياسي للجيوش والولاة، وأدى إلى فقدان شرعيتهم وزعزعة الدولة التي تقلصت إلى مركزها في الشام بعد معاوية الصغير الذي حكم أياما قلائل، وبدا أن ابن الزبير هو المرشح الوحيد المطروح. إلا أن هذه الحالة لا تخرج على مسمى الفوضى، وذلك إذا ألقينا نظرة على الوضع السياسي للحركة الزبيرية بعيدا عن الألفاظ التعميمية والمراثي.
والكلام هنا لا ينبغي أن يفهم كإساءة لعبد الله بن الزبير بل بيانا لحقائق تاريخية:
الخوارج: (بين الجزيرة العربية والشرق)
تحالف ابن الزبير مع الخوارج ضد يزيد بن معاوية، وخاضوا معه حربه في مكة، ثم ما لبثوا أن امتحنوه في أمر عثمان فلم يرض بموافقتهم في البراءة منه مما جعلهم ينفضون عنه ولم يسيطر ابن الزبير طيلة خلافته على أجزاء واسعة من الجزيرة العربية (نجد وشرق الجزيرة)
وكان الخوارج “النجدات” بقيادة نجدة بن عامر يتحركون بأريحية بين اليمن وعمان والطائف والبحرين والمدينة ويقتضون الأتاوات من الناس ويغيرون على ذراريهم.
إلا أن سيطرتهم كانت أقوى بكثير على اليمامة والبحرين، فنجد في رواية “عقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ هُرْمُزَ، حَدَّثَهُ أَنَّ [نَجْدَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ] كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ….”.1 ورواه مالك بن أنس عن ابن شهاب.
فيسميه ابن هرمز صاحب اليمامة أي متوليها، وكان مصعب بن الزبير قد أرسل إليه جيشا وهو البحرين فهزمه نجدة!
ولأن حركة الزبيريين لم تكن تستطيع الدفع عن أهلها فعندما دخل نجدة الطائف خرج إليه أحد شيوخ ثقيف وهو عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي وبايعه! وبرر عاصم للحجاج بن يوسف فيما بعد -وهو ابن عمه- بأنه إنما بايع نجدة دفعا عن أهل بلده.
واخبار نجدة الحروري في الجزيرة العربية لوحدها تؤكد سطحية سيطرة الزبيريين حتى على مركز حكمهم في الحجاز، حتى روي أن نجدة قطع الميرة عن مكة، وأقام عماله في بعض النواحي، فهذا مركز ابن الزبير نفسه كان يعج بالفوضى، فكيف بغيره؟
وبعد مقتل نجدة من قبل اصحابه الخوارج سنة ٦٩هـ بايعوا أبا فديك الذي ظل يسيطر على كثير من الأراضي بما فيها البحرين، حتى قتل على يد جيوش عبد الملك بن مروان سنة ٧٣هـ.
كما سيطر الأزارقة على مساحات واسعة من إيران وأجزاء من خراسان، وفي كثير من الأحيان كانوا يهددون البصرة وهي مركز شيعة ال الزبير بعد الحجاز، وقد وجدت عملات نقش عليها “عبد الله قطري أمير المؤمنين” مع عبارة “لا حكم إلا لله”، كما روي أنهم هددوا الكوفة بعد ذلك.
وفي كثير من الأحيان كانوا يهزمون جيوشه ويقتلون قادتهم كما حدث مع جيش عثمان بن عبيد الله. الذي أرسله عمال ابن الزبير من البصرة لقتالهم. وهو ما حدث مع جيش مصعب في البحرين.
وظلوا كذلك من الكر والفر متأرجحين بين النصر والهزيمة إلى نهاية حركة ابن الزبير حتى تمكن الحجاج بن يوسف والمهلب بن أبي صفرة من القضاء على نفوذهم في العراق وفارس في النصف الأول من ولاية الحجاج.
أمر الضحاك بن قيس الفهري والقيسية:
كثيرا ما يروج إلى أن معظم أهل الشام بايعوا ابن الزبير، والواقع أن الروايات مختلفة في هذا الأمر.
فبعد موت يزيد بن معاوية حدث فراغ في السلطة مما جعل الجيوش والولاة الأمويين ينسحبون للشام للاجتماع على خليفة جديد، ومن هنا تحجمت سلطة الأمويين. وبادر بعض الامراء للدعاء لابن الزبير بوصفه الوحيد الذي طلب هذا الأمر
ومع ذلك فقد اختلفت الروايات في كون الضحاك بن قيس دعا إلى نفسه أم دعا إلى ابن الزبير ومن المؤرخين من يقول أنه دعا لابن الزبير أولا ثم دعا إلى نفسه ومات على ذلك وهذا ما نسب إلى ابن الضحاك، وفي أحد روايات الواقدي أن بني الزبير هم من أشاعوا أن الضحاك قد قتل في طاعتهم.2
ويذهب الزبير بن بكار سليل البيت الزبيري إلى أن الضحاك دعا إلى نفسه في آخر الأمر إذ يقول: “وكان قد دعا لابن الزبير وبايع له ثم دعا إلى نفسه فقتله مروان بن الحكم”.3
وبعد مرج راهط استوسقت مصر والشام ومعظم الجزيرة الفراتية لمروان بن الحكم.
أما ما قيل عن أن مروان وعمرو بن سعيد كانوا على وشك السير لابن الزبير وتسليم الأمر له حتى أقنعهم عبيد الله بن زياد بالدعاء إلى أنفسهم فليست مقنعة، وهي أقرب ما تكون إلى روايات رمزية تريد بيان ضعف فرصهم وتبالغ في ذلك.
ففي رواية أخرى أن الدمشقيين مثلا لم يرضوا بأمر الضحاك بن قيس وأخرجوا عامله وولى مروان عليها آخر بالتزامن مع لقاء الجيشين يوم المرج، بينما تذهب رواية أخرى إلى حدوث قتال في المسجد بين الدمشقيين بمجرد أن جاهر الضحاك بأمره بين مؤيد ومعارض وهموا بالبيعة للوليد بن عتبة بن أبي سفيان. ولا أدل من رفض الدمشقيين لأمر الضحاك من خروجه عنهم مفسحا المجال لمروان لتولية أخيه عبد الرحمن بن الحكم عليها، بينما تصر روايات أخرى على أن الدمشقيين بايعوا الضحاك على القتال، وفي رواية انهم إنما بايعوه على أن يصلي بهم حتى يجتمع أمر الناس. وقد أخرج النعمان بن بشير من حمص ولوحق حتى قتل، فلا يبدو أن القول بأن أكثر الشام سارت خلفه وخلف الضحاك صحيحا، فاضطراب الروايات بيِّن، مما يفسح للجميع تصدير ادعاءاتهم.
أمر مصر:
سيطرة ابن الزبير على مصر كانت سطحية جدا ومن الروايات من يقول أن ابن جحدم الذي أرسله ابن الزبير إلى مصر لم يكن واليا وإنما داعيا4 لم يستقم أمره بعد.
ومنها من تذهب إلى أن أهل مصر إنما بايعوه مصانعة وأرسلوا إلى مروان بن الحكم سرا، فيقول الكندي: “وكانت شيعته من أهل مصر دعوه إليها وهم في العلانية مع ابن جحدم”5
واستطاع القضاء على وجودهم فيها، ومنها من تسميه بالولاية، وعلى أية حال فماهي إلا برهة من الوقت حتى طرقته جيوش الشام بقيادة مروان بن الحكم الذي عين ابنه عبد العزيز عليها.
وحاول مصعب بن الزبير بعد ذلك أن يغزو فلسطين بأمر أخيه إلا أن مروان بن الحكم أرسل جيشا بقيادة عمرو بن سعيد الأشدق والذي تمكن من هزيمة مصعب.6
كما استقل المختار خلال فترة طويلة بالكوفة وضم إليه مساحات واسعة من العراق وإيران وأذربيجان، وصانع ابن الزبير ثم أعلن التمرد عليه وحاول غزو البصرة، بل إن خشبية المختار غزت مقر ابن الزبير نفسه! قبل أن ينقلب الأمر ويتغلب عليه مصعب بن الزبير.
غزو الخشبية وحبيش بن دلجة والخوارج في الحج!
كان من السهل غزو ابن الزبير على كل من يريد ذلك؛
فقد سير المختار الثقفي بين ٧٠٠ و٢٠٠٠ من الكوفيين بالخشب لانقاذ محمد بن الحنفية الذي حبس في الحرم لأنه أبى بيعة ابن الزبير وتم نقله إلى شعب علي في منى، ويبدو أن هؤلاء الخشبية من أنصار محمد بن علي قد ظلوا معه في الحجاز وتنقلوا معه بعد ذلك.
قال علي بن المديني عن ابن عيينة: “كان عبد الله بن شريك ممن جاء إلى محمد بن الحنفية ههنا في الفتن عليهم أبو عبد الله الجدلي أرسلهم المختار وكانوا معه في الشعب وكان عبد الله بن شريك خرج في سبعمائة”.7
وروى محمد بن أبي عمر المكي عن سفيان عن عمرو بن دينار: “جاء محمد بن علي ألفان من أهل الكوفة لو أمرهم أن يزيلوا الجبل لأزالوه. قال عمرو: فكانوا في شعب علي اعتزل بهم محمد بن علي، فكان ربما أتاهم الفزع، فينادي مناديهم: إن مهديا يأمركم أن تأخذوا السلاح”.8 وتفاصيل فعل الخشبية في مكة عند الإخباريين.
وسبق الكلام عن غارات “النجدات” على الطائف والمدينة واليمن ومعظم أرجاء الجزيرة العربية حتى بايعه أهل الطائف وأهل اليمن.
كما استطاع حبيش بن دلجة التوغل في عمق الحجاز لصالح مروان بن الحكم قبل هزيمته من قوات الزبيريين بعد مناوشات وكر وفر، وسيطرة مؤقتة على المدينة ووادي القرى بينما هزم مصعب بن الزبير على مشارف الشام ولم يتمكن من التوغل!
وحج نجدة الحنفي سنة ٦٨هـ وصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه، وعندما صدر من الحج حاول التعرض لأهل المدينة ثم رجع عن ذلك عندما علم بعزمهم على قتاله.
ولعل مشهد الحج يبين حجم الانقسام الذي حصل في تلك الحرب الأهلية، فقد حج المسلمون تحت أربع ألوية:
- لواء محمد بن علي (ابن الحنفية)
- لواء النجدات
- لواء ابن الزبير
- لواء بني أمية.
آراء الفقهاء والمحدثين والمؤرخين من المتقدمين:
من المقطوع به أن كلا من ابن عباس وابن عمر لم يبايعوا ابن الزبير بدعوى أنه لم يجتمع عليه. وإذا اعتمدنا أقوال المحدثين والفقهاء:
- أما الزهري فلم يأتِ على ذكر ابن الزبير بل جعل خلافة عبد الملك بن مروان مباشرة بعد يزيد بن معاوية.9
- وقال قتادة: “كانت فتنة ابن الزبير ثماني سنين”10
- وقال ابن أبي شيبة: “كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين”.11
- قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: “سليمان اليشكري مات في فتنة ابن الزبير”12
- وروي ذلك عن ابن سيرين من طريق معمر بن راشد. فكل هؤلاء لم يعتبروا ابن الزبير خليفة للمسلمين.
- أما الليث بن سعد فقد كان يصرح بأن أمير المؤمنين هو عبد الملك بن مروان بينما يسمي عبد الله بن الزبير باسمه فيقول: “وضحى عامئذ أمير المؤمنين بدمشق (أي عبد الملك بن مروان) وأقام ابن الزبير الحج للناس”.13
وأما ما روي عن مالك في تفضيل ابن الزبير على مروان وابنه وقوله أنه أولى منهما بالأمر فقد نقله ابن عبد البر عن عيسى بن دينار القرطبي المتوفى (٢١٢هـ) أي قبل ميلاد ابن عبد البر بنحو ١٥٠ عاما ولم يبين إسناده، وهو الذي يروي عنه في عدة مواضع أخرى بالإسناد.
ومن المؤرخين كان كل من الطبري وخليفة بن خياط يضعان أحداث حركة ابن الزبير في: “خلافة مروان بن الحكم أو”خلافة عبد الملك بن مروان”.
وقال خليفة بن خياط في أحداث سنة ٦٤: «وفيهَا بُويِعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ مَرْوَان». ثم هو يشير إلى خلافة عبد الملك بن مروان فيقول:
«واستخلف أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبْد الْملك بإيلياء فِي شهر رَمَضَان»14
ورغم أنهم ذكروا بيعة ابن الزبير فلم يسموه بالخلافة ووضعوا أحداثه ضمن أحداث خلافة مروان وعبد الملك، فالجدل في حركة ابن الزبير لم يرق إلى الجدل في خلافة علي بن أبي طالب الذي حسم في بداية القرن الثالث لصالح تثبيت خلافته.
فالخلاصة كما يتبين مما سبق أنه بالرغم من عظم خطر ابن الزبير فإن مساحات واسعة لم تكن تحت حكمه وبعض البلدان كمصر كانت سيطرته عليها سطحية وقصيرة ومركز دولته لم يكن مستقرا بفوضى نجدة والخوارج ثم غارة الخشبية، المشايعين لابن الحنفية والذين بقوا معه فيما بعد، إضافة إلى استنزاف حركة المختار الثقفي لجيوشه، أما الشام فالأمر فيها مختلَف فيه كما رأينا ويبدو أن الضحاك قد تراجع ودعا إلى نفسه، إضافة إلى إخفاقات مصعب بن الزبير وعمال البصرة قبله أمام الخوارج في الأهواز والبحرين وقبل ذلك في فلسطين.
فالتوصيف الحقيقي للمشهد -بعيدا عن اللطميات- أنه حرب أهلية منذ وفاة يزيد بن معاوية بين دولة عانت الفراغ السياسي في مقابل حركات ثورية غير مستقرة.

- مستخرج أبي عوانة، ج٤، ص، ٣٣٧بقية أخبار الخوارج من كتاب أنساب الأشراف للبلاذري(فصل: أخبار الخوارج بعد يزيد بن معاوية إلى عبد الملك بن مروان). والكامل في اللغة والأدب للمبرد. ↩︎
- الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط- الخانجي، ج٦، ص٥٤٨ ↩︎
- تاريخ دمشق، ابن عساكر، ج٢٤، ص٢٨٣ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٥، ص٥٤٠ (أبو مخنف) ↩︎
- كتاب الولاة والقضاة، للكندي، ت- رفن، ص٤٢ ↩︎
- تاريخ الطبري ج٥، ص٥٤٠ ↩︎
- التاريخ الأوسط، البخاري، ج١، ص١٣١ ↩︎
- أخبار مكة، الفاكهي، ج٤، ص٢٧٧ ↩︎
- التاريخ الأوسط، ج١، ص٣٢ ↩︎
- نفس المصدر، ج١، ص٩٣ ↩︎
- مصنف ابن أبي شيبة تحقيق الشثري، ج١٩، ص١٠٥ ↩︎
- سؤالات أبو داود رقم (١٥) نقلا عن جامع علوم أحمد بن حنبل. ↩︎
- تاريخ خليفة بن خياط، ت: أكرم ضياء العمري، ص٢٦٤، ٢٦٥ ↩︎
- تاريخ الطبري ج٥، ص٥٣٠
تاريخ خليفة بن خياط، ص٢٥٣
تاريخ خليفة بن خياط، ص٢٦١ ↩︎




