أورفيوس: الفيلسوف الأول، ومؤسس الأورفية.

صورة أورفيوس يعزف ومن حوله جميع الحيوانات صورة من متحف دالاس للفنون

محسن بوعكاز

شارك المقال:

إن تتبع الجذور الوجودية لنشأة الفلسفة واللوغوس اليوناني يكشف عن نسب ميثولوجي متصل، لم يكن يمثل قطيعة مع الأسطورة بقدر ما كان إعادة إنتاج وصياغة لها في قالب مفهومي. وتبدأ هذه الجينالوجيا التاريخية من أصول أبعد بكثير من حدود أثينا، وتحديداً من التقاليد الشامانية1 لآسيا الشمالية وسكيثيا2، والتي تسربت تأثيراتها الروحية والطقسية إلى الفضاء الإغريقي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد.

فكما يقرر المؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي جان بيير فرنان بالاستناد إلى أطروحات المؤرخين (إرفين رود، ومولي، وكورنفورد، ودودز)، مثّلت تراقيا الحلقة الجغرافية والروحية التي ربطت اليونان بالنسق الشاماني لآسيا الشمالية. فقد كان شامان الشمال يمثلون فردانيات تعيش على هامش المجموعة الاجتماعية، ولهم نظام حياة تقشفي صارم يقوم على العزلة، والنباتية، والتبتل، وقاعدة الصمت الصارمة. وكانت المعرفة لديهم ترتبط بقدرة النفس الخارقة على مغادرة الجسد طوعاً، والتجوال في الأثير، والنزول إلى عالم الجحيم «الكاتاباسيس – Katabasis» للاتصال بالأرواح واستجلاب المعرفة. هذا النموذج التنسكي الشاماني هو السلف الفعلي لعقيدة «التطهرية» وفصل النفس عن كدر المادة، التي ستظهر لاحقاً عند فلاسفة اليونان.3

وفي هذه البيئة التراقية المشبعة بالروح الشامانية والاتصال بالأفلاك، تخلقت عبادة الإله «باخوس – ديونيسيوس». فمع اكتشاف القبائل التراقية للخمر، توهموا أن حالة الذهول واللاشعور الجسدي المصاحبة للسكر هي حالة مقدسة تعبر عن ملامسة الإلهي، فنسبوا أصل هذا الشراب إلى باخوس. وعندما انتقلت هذه الديانة الباخوسية (الديونيسية) إلى بلاد اليونان، تطورت داخلها طقوس للوجد والجذب والسكر، يزعم فيها السكران في نوبة انخطافه وعربدته أنه ينعتق من حدود فنائه البشري ليتوحد مع الإله في كينونة واحدة، وهو الطقس الذي عُرف لديهم بالوجد أو التوحد.4

وفي مرحلة لاحقة، تعرّضت هذه الديانة الباخوسية لعملية إصلاح بنيوية عميقة على يد شخصية تاريخية غامضة يدعى “أورفيوس”؛ من المرجح أنه عاش قبل العصر الهوميري، والذي وصفه برتراند راسل بأنه فيلسوف وكاهن، حيث استمر هذا الترابط بين الكاهن والفيلسوف إلى أزمنة متأخرة من تاريخ الفلسفة. قام أورفيوس بتحويل السكر الجسدي المادي الحسي إلى “نشوة روحية تأملية” زاهدة تسعى لتطهير النفس. وبناءً على هذا التحول المعرفي، ولدت “الديانة الأورفية”، أو إن شئت قل الفلسفة الأورفية؛ التي أسست لنسق لاهوتي معقد يفسر ثنائية الإنسان بين الأرض والسماء، بين الجسد والروح.5

تؤمن الأورفية بتناسخ الأرواح وتطهيرها لتصل للنعيم الأبدي، وتفترض في لاهوتها الوجودي أن الإنسان يتكون بعضه من الأرض وبعضه من السماء؛ فإذا عاش حياة نقية ازداد لديه العنصر السماوي وتضاءل العنصر الأرضي ليصير إلهاً كاملاً، وهي نفسها عقيدة أفلاطون وغيره. وتعود جذور هذا التصور لأسطورة تفتيت الإله الصغير باخوس على يد الجبابرة -التيتان- مواليد الأرض؛ فلما أكلوا لحمه سَرَت فيهم شرارة الألوهية السماوية، فصعقهم الإله زيوس بصواعقه ليموتوا، ومن رمادهم المخلوط بلحم باخوس خُلق البشر.6

لذا جاء في بعض الألواح التي كُتبت عليها العقيدة الأورفية عبارات أساسية، مثل: «تحية لك يا من عانيت كل المعاناة… لقد تحولت من إنسان إلى إله»، وفي لوح آخر: «سعيداً ومباركاً أنت، يا من ستصير إلهاً بدلاً من إنسانٍ فانٍ»7.

هذا الجزء الإلهي هو الذي يُمكّن العابد من التوحد مع الإله باخوس؛ الذي يبدو أنه قريب وموجود في كل مكان، ولا يتطلب سوى بذل الجهد للاتصال والتوحد به. فيما بعد سيقول طاليس إن «كل شيء مملوء بالآلهة»8، وطاليس، الذي كان أيضا منجمًا، درس عند كهنة مصر، ينتمي بنسبه الكهنوتي الرفيع إلى عائلة «الثيليديين – Thelidae» الفينيقية النبيلة المتحدرة من نسل قدموس—جد الإله ديونيسوس/باخوس— يمثل الجسر العائلي والروحي المباشر الذي عبرت من خلاله التقاليد الشامانية المشرقية والتراقية إلى الفلسفة.9

وإذا أردنا مقاربة الفكرة خارج اللغة الدينية الصريحة، نجد لدى هيراقليطس تقسيماً للوجود بين ما هو ظاهر محسوس وما هو خفي معقول، حيث يشير المعقول إلى الإلهي10. وهي القسمة التي ستتكرر بشكل أو بآخر عند عامة فلاسفة اليونان. لهذا يرى راسل أن فيثاغورس كان «مصلحاً للأورفية، مثلما كان أورفيوس مصلحاً للباخوسية، وهكذا دخلت العناصر الأورفية من فيثاغورس إلى فلسفة أفلاطون، ومن أفلاطون إلى الفلسفة اللاحقة»11.

إن هذا “البعض السماوي” الأورفي المعزول داخل سجن الجسد الطيني هو الوعاء الرحمي الذي صِيغ منه مفهوم «اللوغوس» الفلسفي؛ إذ تحول “سر الشامان” الفردي الاستثنائي في الاتصال بالماوراء إلى “موضوع للتعليم والمناقشة والجدل”. لقد تم إفشاء أسرار الشامان لتولد الأخوية الفيثاغورية والمدرسة الأفلاطونية.

ولأن هذه الأساطير لم تكن لتلقى قبولاً بنسختها الخرافية لدى عقلاء الناس وأتباع الانبياء، فقد عمد هؤلاء الفلاسفة إلى صياغتها في قالب موضوعي وعلمي؛ فاستخدموا أعظم العلوم وأصدقها في ذلك الزمان، ألا وهو علم الهندسة والرياضيات، والذي كان ناجحاً أداتياً في النهضة المعمارية المزدهرة، وله مكانة عظيمة في نفوس الناس لما يحققه من منفعة ملموسة.

فقالوا إن الحقائق الرياضية والهندسية صادقة ومطلقة وثابتة، ومثل هذه الحقيقة المطلقة يليق بها أن تكون معرفة إلهية؛ وبالتالي فإن “الإله مهندس” (أفلاطون). وعليه، إذا أردنا التشبه به في معرفته، فيجب أن يتصل عقلنا الجزئي (الإلهي) بعقله الكلي (اللوغوس)، فنفكر في سائر الموضوعات بنفس الطريقة الهندسية. وكل ما تنتجه هذه الطريقة فهو الحق المطابق للواقع، أي المطابق للوجود المطلق الإلهي. وكلما زادت معرفتنا زاد اتحادنا بالإله والتشبه به، ليغدو التفلسف في جوهره هو «أن يصبح المرء شبيهًا بالاله قدر الإمكان»12 و«التدرب على الموت لانفصال النفس عن الجسد»13. بغية التخلص النهائي من رفات “التيتان” الترابي. إن التفلسف طقس أورفي.

وهكذا، لم تكن الفلسفة اليونانية في أرقى تجلياتها—ولا سيما مع فيثاغورس وأفلاطون—سوى الوعاء المفهومي والعقلاني الذي احتوى التجربة الروحية للأورفية؛ حيث مارس هؤلاء الفلاسفة داخل فلك عقيدتهم دوراً يتطابق بنيوياً مع الدور الذي اضطلع به متكلمو الإسلام وفلاسفته المتأخرون. فكما صاغ المتكلمون والفلاسفة المسلمون عقائدهم الإيمانية في أطر حجاجية ومقولات منطقية ليجعلوا المعقول يخدم المنقول، عمد فلاسفة اليونان إلى تجريد الميثولوجيا الأورفية من غلافها الأسطوري، وأعادوا إنتاجها بلغة الرياضيات واللوغوس. وبذلك، لم يكن الفيلسوف الإغريقي قطيعةً مع الكاهن، قطيعة اللوغوس مع الميثوس، وإنما على تحقيق كان «متكلم» الديانة الأورفية وشاهداً على لحظة تحول السحر والأسرار الشامانية إلى نسقٍ فلسفيّ يُقرأ ويُبرهن ويُدرّس.

  1. الشامان والشامانية: الشامانية معتقدٌ بدائيٌّ يقوم على الإيمان بوجود عالمٍ روحي خفي لا يصله إلا «الشامان»؛ وهو كاهنٌ وسيط يُمارس طقوساً تقوم على خروج الروح من الجسد (عبر جلسات تحضير خاصة) للتواصل مع أرواح الموتى والقوى الغيبية. الهدف الأسمى للشامان هو المعالجة الروحية والسيطرة على الأحداث. يعتمد الشامان في طقوسه على أدواتٍ رمزية كقرع الطبول وأغانٍ طقسية، ويُنسب إليهم أحياناً البدء باستخدام التبغ في الطقوس الدينية، ويتم تعليم المبتدئين منهم على يد «سيدٍ شامان» أكثر خبرة ↩︎
  2. سكيثيا: تعني «بلاد الإصقوث»، وهي منطقة شاسعة امتدت شرق نهر «فيستولا» لتشمل أجزاءً من أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. كانت موطناً للشعوب الإيرانية القديمة (الإصقوث) منذ القرن الثامن قبل الميلاد، وقد توسع المفهوم الجغرافي لهذا الاسم لدى اليونانيين ليشمل كافة أراضي شمال البحر الأسود ↩︎
  3. جان بيار فرنان، الأسطورة والفكر عند اليونان: دراسات في علم النفس التاريخي، ترجمة جورج رزق، مراجعة عبد العزيز العيادي، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الاولى 2012، ص 656 ↩︎
  4. برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ت: عبد الكريم ناصيف، دار التنوير، ط١-٢٠٢٠، ج1، ص40 ↩︎
  5. برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ج١، ص40-41 ↩︎
  6. جان بير فيرنان، الأسطورة والفكر عند اليونان: دراسات في علم النفس التاريخي، ص 194. أنظر أيضاً: راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ص41 ↩︎
  7. برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ج١، ص43 ↩︎
  8. أرسطو طاليس، كتاب النفس، ت: أحمد فؤاد الأهواني، المركز القومي للترجمة، ط٢، ص٣٦. ↩︎
  9. ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة، ط١-٢٠٠٦، ص45 أنظر أيضا: جون بيار فرنان، الأسطورة والفكر، ص 660 ↩︎
  10. Heraclite, Fragments, , traduction, introdution, notes et bibliographie par Jean-François Pradeau, GF Flammarion. P 148 ↩︎
  11. ¹¹- برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية،ج١، ص44 ↩︎
  12. محاورة ثياتيتوس (176a-b). ↩︎
  13. أفلاطون، فيدون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٦١ ↩︎

مقالات مشابهة