عابد الجابري في كتاباته عن التاريخ الإسلامي نموذج للمفكر الحكواتي الذي يركب القصص التاريخية تركيبا لإثبات وجهة نظره دون اختبار جديتها، ومصداقية الفكرة لا تستقيم إلا بعد أن تواجه بما يضادها، لكن الجابري دوما ما يتجاهل ما ينقض رأيه كأنه لم يوجد، فهو كمن يصدق بالمنجمين، فيركز على ما يتفق مع نبوءاتهم ويغفل ما ينقضها، فيبدو الاستنتاج سليما فهو لم يتعرض للاختبار! بل يطوع الأدلة لتواءم النتيجة.
فهو يرى أن أيديولوجية الدولة الأموية والخليفة معاوية (توفي 60هـ) خصوصا هي الجبر، ويأتي بمصادر متأخرة مثل شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (656هـ) أو منحولة مثل الإمامة والسياسة، في سبيل إثبات وجهة نظره، بل بعض ما استند عليه خطب أدبية من الممكن جدا أن تكون مصنوعة لاحقا من الكتاب والأدباء الذين يغرقون التراث بقصص ألف ليلة وليلة.
ويتجاهل دائما ما ينقض رأيه كأنما هو غير موجود، كالنظر إلى آراء بعض متقدمي المعتزلة ممن مال إلى معاوية بن أبي سفيان واحتج له وصوبه مثل أبي بكر الأصم المعتزلي (279هـ) وهو قدري، قال الناشئ الأكبر أنه «صوب معاوية في محاربة علي ومنعه من الشام». بل إن بعض القدرية من الغيلانية الذين ثاروا على بني أمية حسب الجاحظ (255هـ) كانوا يصوبون معاوية في أكثر أمره ويرون له حجة فيما فعل، فمشكلتهم مع بعض بني مروان لا مع معاوية. ولم يعلموا شيئا عن نشره للجبر، فهل يعقل أنهم يصوبون معاوية ويحتجون له وهو الذي ينشر مقالة تضاد مقالتهم تماما؟
وكان معبد الجهني من مؤسسي القدرية وقد خرج على عبد الملك بن مروان (86هـ)، فقتله الحجاج بن يوسف بعد الجماجم، مما فتح الباب للمعارضة القدرية ضد الأمويين وهو بمثابة زعيمهم الديني والسياسي. وعندما آل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز (101هـ) أصدر أمرا بعرض القدرية على السيف وكان على وشك قتل غيلان الدمشقي الذي يرى الجابري أنه كان مساعدا لعمر بن عبد العزيز في «تنفيذ إصلاحاته» والواقع أنه كان صاحب دار السكة/ دار الضرب، وكان عمر على وشك قتله لما عرف قوله فلما أظهر له التوبة و«أمسك عن الكلام في القدر، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق».
ومن الثابت أن ابن عبد العزيز كان قد أصدر أوامر بقتل القدرية واستتابتهم كما روى مالك بن أنس وجاء أنه كان يرى أنه ينبغي أن «تسل ألسنتهم من أقفيتهم استلالا!»
لكن الجابري لشعبية الخليفة عمر بن عبد العزيز لم يشأ أن يجعله رمزا لـ «الإنغلاق الفكري» في مقابل القدرية الذين نصبهم رمزا للتنوير! فلا ينبغي أن نخسر الشخصيات اللامعة كما أرادت لها السرديات أن تكون!
وقد كان يزيد بن الوليد الناقص (126هـ) وهو الخليفة القدري الأموي وهو من أتباع غيلان يصف أسلافه من بني أمية بـ «خلفاء الله» كما جاء في رواية الطبري.
ومن أقدم القدرية الذين أثر عنهم ميلهم لمعاوية ثور بن يزيد الكلاعي (151هـ) وهو قدري وهو الذي كان يروي في مناقب يزيد بن معاوية الحديث الشهير في حصار القسطنطينية وروى في مناقب معاوية وذكره الجاحظ فيمن يحتج له!
والواقع أن كثيرا من متقدمي القدرية ثاروا على الأمويين وحاربوهم وتتبعهم الأمويون ونفوهم وقتلوهم، وكان القدرية بدورهم يبثون كثيرا من الأحاديث والدعاية ضد الدولة الأموية،وعلى رأسهم أمثال محمد بن إسحاق وابن دأب الليثي، وتحالفوا بعد ذلك مع الثورة العباسية وكان كثير منهم في صفوف المسودة، إلا أن الادعاء بالجبر لا ينتمي لتلك الفترة.
فهذا الاتهام كان متأخرا وتبلورت معالمه بعد اتصال المعتزلة بالشيعة أواسط العصر العباسي والعصر البويهي، وقد كان المعتزلة قد حالفوا بني العباس في مرحلة معينة ثم ازدهر حلفهم مع بني بويه ومن هنا طمعوا في جعل مقالة أسلافهم محورا للتاريخ السياسي والصراعات فادعوا ذلك على معاوية وخلفاءه وهو الذي يخاصمه حلفاءهم الذين مكنوا لهم في السلطة. وكان المعتصم يحرص على نشر آراء الإسكافي واحتجاجاته المعارضة للأمويين كما أورد البلخي.
ولا تفسير للأمر سوى ما ذكر، إذ كيف عرف متأخروهم ما جهله متقدموهم؟ ومنهم من كانوا بالشام ميالا لمعاوية!
فيتجاهل الجابري كل هذا التاريخ العريض ليستقي معلوماته من شارح النهج، ابن أبي الحديد، الذي كان عمودا فقريا في ادعاءاته، وهو الذي توفي سنة 656هـ!
والمعتزلة دائما ما يدعون أسلافا لا أسباب وصل بينهم وبينهم على حسب تقلب الحال، حتى ادعوا أن المنصور العباسي كان معتزليا، حتى إذا انتشر الاعتزال بين الزيدية ادعوا أن عدوه محمد بن عبد الله المحض (معروف بالنفس الزكية) حظي بدعم من تلاميذ واصل بن عطاء المعتزلة!
فهم دوما ما يحاولون ادعاء أسلاف لمقالاتهم حتى وصل الأمر ببعضهم إلى انتحال علي بن أبي طالب لما كانت ثقافة العصر متماشية مع التشيع خاصة مع حلفهم مع المأمون والمعتصم والواثق، ثم بعد عقود مع البويهيين الشيعة.
كل الفرق جبرية عند الجابري!
استمرارا في حشد الأدلة الموجبة وتجاهل الأدلة السالبة استدل الجابري بواسطة مصادره المتأخرة الشيعية مثل شرح نهج البلاغة أو المنحولة مثل الإمامة والسياسة أو الأدبية في دعم نظرته التي تفتقر إلى تأييد أوائل القدرية الذين اصطدموا بالأمويين فعليا واعتمد على أقوال شائعة ودارجة عند المسلمين في خطاباتهم الرسمية مثل «شاء الله» و «قضى الله» و«أراد الله».
وبما أنه لا يراعي الأسانيد ويأخذ المرويات انتقائيا بما يخدم فكرته من التراث حتى يشكل الصورة التي يريدها فلنا أن نأخذ بمتقدمي الإخباريين في الرد عليه أو المحدثين بما أنه لم يحدد معيارا في الأخذ بالمرويات إلا نظرته المسبقة التي يروم إثباتها كما يبدو!
والسؤال المطروح هو علام خص الأمويين بالقول بالجبرية؟
وقد جاء من طريق الأعمش وهو شيعي عن زيد بن وهب شيعي أيضا، عن ابن مسعود حديث الصادق المصدوق، وهو حديث واضح التناقض مع فكر القدرية، وجاء فيه: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه….ثم يبعث الله الملك بأربع كلمات فيقول: اكتب أجله وعمله، وشقي أو سعيد، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون وما بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيختم له بعمل أهل النار… » 1
وهذا الحديث المروي من طريق الشيعة وغيرهم يناقض القدرية على طول الخط، فلماذا يخص الجابري الأمويين بالقول بالجبر ونشره دون الشيعة مثلا؟
وبما أنه يحب التصريحات التاريخية، فقد أورد المدائني المعتزلي أن علي بن أبي طالب قال للأشعث بن قيس: «يا أشعث، إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور؛ وإن جزعت، جرى عليك القدر، وأنت مأزور».2
وبما أنه وظف خطبة زياد البتراء في إثبات جبريته، فقد جاء في خطبة لعلي بن أبي طالب نقلها أبو مخنف وهو إخباري متقدم بالنسبة لمصادر الجابري المتأخرة: « الحمد لله على ما قضى من أمري، وقدر من فعلي، وابتلاني بكم أيتها الفرقة ممن لا يطيع إذا أمرت»3
وقد وصف الجابري الأمويين بالجبر لخطاب أقل من هذا فهاهو علي يثبت القدر فعلام يخص به الدولة الأموية!!
وجاء عن أبي مخنف أيضا أن الحسين بن علي لما قيل له: «إني أنشدك الله لما انصرفت، فو الله لا تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف» فقال الحسين: «إنه ليس يخفى علي، الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره». 4
وكان صالح بن مسرح وهو من الخوارج قد قال في خطبته: «واستخلف عمر، فولاه الله أمر هذه الرعية»5 فالله هو من ولى عمر عند الخوارج، وهي جبرية عند الجابري!
وبمناسبة ذكر الخليفة عمر بن الخطاب، فقد قال عمر: «إن الله عز وجل جعلني خازنا لهذا المال، وقاسمه له، ثم قال: بل الله يقسمه»6 وهو شبيه بما عده جبرا من الخليفة معاوية وزياد بن أبي سفيان.
وكان عمر بن عبد العزيز يرد على القدرية علنا وذكر الفريابي أنه كان يقول: «لو أراد الله أن لا يعصى, ما خلق إبليس». وسبق أنه كان يدعو لإعدامهم
ورغم أن بقية الخلفاء لم يؤثر عنهم كلام في أهل القدر والرد عليهم بهذه الصراحة إلا أن الجابري يجعل عمر بن عبد العزيز مؤيدا لحركة التنوير! عكس بقية الخلفاء رغم أن عمر كان الوحيد الذي انتقد «التنوير».
بل المفاجأة أن هذه الألفاظ الدارجة والبروتوكولية في الخطاب السياسي الأول عند المسلمين من السياسيين والثوريين والعسكريين قد وجد عند القدرية الذين يصفهم الجابري بـ «التنويريين»، وعند رأس من رؤوسهم هو يزيد بن الوليد الناقص الخليفة الذي تمجده المعتزلة.
وقد قال عن أسلافه الذين يعتبرهم الجابري جبرية:
«فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحكمه، متبعين فيه لكتابه، فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام»7
وقال وهو يصف الغيلانية أتباع غيلان التنويري كما يصفه الجابري: «فابتعث الله منهم بعثا يخبرهم، من أولي الدين والرضا» وقال في خصمه الوليد بن يزيد: «فقتله الله على سوء عمله»8
وبالمجمل فوصف الأمويين بالجبر، أو وصف الجبر بالأموي عند الجابري يصبح بلا معنى إذا نظرنا إلى التراث بعدسة غير التي ينظر من خلالها الجابري! فكل الفرق جبرية إذا ما أخذنا بأقواله، لكن الهالة المحيطة به كمفكر منعت متابعيه على آراءه من التنويريين الذين يعترضون عادة على التقليد الأعمى للفقهاء لكن لا بأس من التقليد الأعمى للجابري وأمثاله دون النظر بعين النقد لما يقوله وهو محض حكواتي ينقل عن شرح نهج البلاغة دون تروي ولا فحص للادعاءات العريضة التي يصدرها.
بل إن الجابري استدل على جبرية معاوية بن أبي سفيان بأنه ردد آية قرآنية، فيضحي القرآن أيضا متضمنا للجبر عنده، فيقال آية جبرية وآية قدرية! فتلى معاوية في أحد خطبه التي أخذها الجابري من شرح النهج كالعادة! «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ» على أننا لو فكرنا بنفس منطق الجابري، فيزيد بن معاوية يكون قدريا تنويريا في مقابل علي بن الحسين وال بيته الجبرية، فيتحول الجبر إلى «جبر علوي» لا «جبر أموي»
فقد جاء أن يزيد بن معاوية احتج على علي بن الحسين بآية أبعد ما تكون في معناها عن الجبر (وفق ما ذهب إليه الجابري في تصنيف آيات القرآن).
فتلى يزيد بن معاوية: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ» (سورة الشورى 30)
بينما علي بن الحسين احتج على يزيد بن معاوية بآية يمكن تأويلها على الجبر! بقوله تعالى: «مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا» (سورة الحديد الآية 22)9
فهل أضحى الجبر بهذا علويا والتنوير أمويا لأن الخليفة يزيد بن معاوية قد احتج بآية لا تتحدث عن القدر!
فدل هذا على أن هذه الألفاظ كانت دارجة عند السياسيين المسلمين الأوائل مهما كانت أحزابهم ومذاهبهم الدينية، حتى لو كانوا من القدرية في السلطة أو المعارضة.
لا في سبيل القول أن إرادة البشر لا تأثير لها في تحديد مستقبلهم، ولو كان الأمر كذلك لما ردده يزيد الناقص للتأكيد على أن أفعالهم في سبيل رضا الله! وبتأييد منه، إذ أنهم مستقيمون على أمره في نظر أنفسهم ونظر أنصارهم، فهذا ما ادعاه الخلفاء بالتحديد، وهو مضمون دعاية جميع الفرق سواء عثمانية أو قدرية أو شيعة أو خوارج أو مرجئة أو سواهم!
على أن من السذاجة القول بأن سياسيا قد يبرر أمره بالقدر وهو يثبت أن الجهم بن صفوان كان جبريا ورغم ذلك كان ثائرا على الأمويين وهو ما غفل عنه من يقتنص أقواله وينتقي منها، ويتأولها على أن الجبر كان مانعا من الثورات.
والأهم من ذلك مالذي كان الجبر سيجلبه على الدولة في حالة كتلك التي كان فيها مروان وعبد الملك يجابهان عبد الله بن الزبير! هل يسلمان له؟ لكنهما لم يفعلا! بل إنهم في أكثر أفعالهم إقداما لم يحتجو بالقدر! فقد جاء عن عبيد الله بن زياد في قتل الحسين بن علي: «أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي، فاخترت قتله على أن يقتلني»10
فكان التبرير خارجا تماما عن أي معطى للقدر
وفي أحلك الظروف عندما كانت الأرض تنتقض على عبد الملك بن مروان لم يبرر فعله بالجبر! بل جاء أنه عندما قتل نسيبه عمرو بن سعيد بن العاص لما حاول الانقلاب عليه قال لأبناءه:
«إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم، وأوصلني لقرابتكم، وأرعاني لحقكم!» 11
وقال الحجاج عند مقتل ابن الزبير:
« ألا وان ابن الزبير كان من أخيار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها فخلع طاعة الله واستكن بحرم الله ولو كان شئ مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الجنة لأن الله تعالى خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأباحه كرامته وأسكنه جنته فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته وآدم على الله تعالى أكرم من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة اذكروا الله يذكركم»12
فهو يخطئ ابن الزبير مباشرة ولم يحتج بالجبر ولا القضاء والقدر.
شواهد شعرية
والشعر الأموي يفترض دائما أن الخلفاء الأمويين كانوا على الحق ولا يتورع عن وصف خصومهم بالفسق وعيبهم بمختلف المعايب حتى شخصيات من الرعيل الأول، فمن السذاجة أن يقال أنهم يبررون أعمالهم بالجبر، فهذا يفترض مسبقا أنهم يعترفون بأن أعمالهم خاطئة! وهم لم يعترفوا بذلك ابتداءا.
وقد قال جرير هاجيا خصوم عبد الملك بن مروان:
دعوت الملحدين أبا خبيب
جماحا هل شفيت من الجماحِ
وقال فيه:
أنت المبارك يهدي الله شيعته
إذا تفرقت الأهواء والشِّيعُ
وقال الفرزدق في عبد الملك:
إِذا لاقى بَنو مَروانَ سَلّوا
لِدينِ اللَهِ أَسيافاً غِضابا
صَوارِمَ تَمنَعُ الإِسلامَ مِنهُم
يُوَكَّلُ وَقعُهُنَّ بِمَن أَرابا
بِهِنَّ لَقوا بِمَكَّةَ مُلحِديها
وَمَسكِنَ يُحسِنونَ بِها الضَرابا
ويصف خصوم الحجاج بجند إبليس:
لَقَد ضَرَبَ الحَجّاجُ ضَربَةَ حازِمٍ
كَبا جُندُ إِبليسٍ لَها وَتَضَعضَعوا
أَضاءَ لَها ما بَينَ شَرقٍ وَمَغرِبٍ
بِنورٍ مُضيءٍ وَالأَسِنَّةُ شُرَّعُ
وَخَرَّت شَياطينُ البِلادِ كَأَنَّها
مَخافَةَ أُخرى في الأَزِمَّةِ خُضَّعُ
فهم يرون أن شيعة بني أمية على الحق، فعلام التبرير بالجبر أصلا؟
ولهذا وغيره ترى باتريشيا كرون ومارتن هايندز أن «النظرية القائلة بأن الأمويين كانوا من الجبرية تستند على أسس واهية» ويردفان أن «النظرية التي تقول بأن القدرية نشأت كرد فعل على جبرية الأمويين غير مقبولة».
هل يصلح الجبر كمبرر للحكم؟
ثم إن هناك لفيفا من متشيعي التنويريين، الذين لم يفهموا التشيع ولا التنوير، زعموا أن ما يسمونه الجبر الأموي كان للتبرير الأخلاقي لسلوكاتهم!
وينطوي هذا الادعاء على مغالطة منطقية تفترض ضمناً أن الأمويين أقرّوا ابتداءً بقبح أفعالهم وفساد نهجهم، ثم لجأوا إلى “القدر” كذريعة لإجبار الرعية على القبول بالأمر الواقع.
فهم مثلا يأتون بروايات عن عمرو بن العاص يقول فيها لمعاوية: “لا أعطيك من ديني حتى تعطيني من دنياك” وكان الأمر الذي تقاتل فيه المسلمون لمائة عام ويزيد حق بدهي لخصوم الأمويين، فيضحي التنوير والنقد هنا ككذبة يتلبس بها من حقه أن يلطم في الحسينيات، متناسيا أن هذه إنما هي سردية الخصوم عما قاله بنو أمية وقيادات الدولة الأموية عن أنفسهم، فيأتي بتخطئتهم على ألسنتهم محتجا بها كأي حكواتي!
وهذا تصور يفتقر إلى الواقعية السياسية والخيال التاريخي إذ إن الشعر الأموي في تلك الفترة كان يضفي صبغة شرعية وقدسية كاملة بل وثورية على الحكم الأموي، فالدولة الأموية من بدايتها إلى نهايتها -كما قدمتها الدعاية الأموية- كانت ثورة عثمانية قامت على سياسات عثمان والدفاع عن إرثه وحرصت على الدفاع عن المصحف الذي جمع الناس عليه، وقدموا أنفسهم كاستمرارية له وقادوا سياساته إلى أقصى نتائجها.
ويتهم الأمويون خصومهم بأنهم ثلموا الإسلام وألقوا الفتنة بين أبناءه وابتدعوا في الدين، وبأنهم منافقون أو ملحدون أو طغاة في تعبير آخر، وأن الأمويين منذ عثمان ومعاوية ويزيد ومروان وعبد الملك كانوا هم أئمة الهدى، ومهديين مخلصين للاسلام وحماة لكتاب الله!
ولا أدل على ذلك من القصائد الانتصارية التي تمدح يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي والتي تصور الأخير كبطل ينصر العدل والحق وتصفه بأنه السيف الذي نصر به مروان عثمان يوم الدار، بل تصفه بأنه كسيف الله خالد! أي ابن الوليد، وهو في الشعر الأموي نصير القرآن والشهاب الثاقب الذي يرمي به الإمام (عبد الملك بن مروان) أعداءه ويزيد بن معاوية التي تصوره كقارئ للقرآن ومنافح عن الدين والعدل، منتقم من الظلمة و الطغاة.
وقد جاء في أرجوزة العجاج في مدح يزيد بن معاوية:
وَفي الحُقوقِ ذُو قَضاءٍ فَيصَلِ
يَلهَزُ أَصداغُ الخُصومِ المُيَّلِ بِالعَدلِ
حَتّى يَنتَحوا لِلأَعدَلِ
بِقَولِ مَرضِيٍّ أَمينِ المِقوَل
فقد رَأَى الراؤُونَ غَيرَ البُطَّلِ
أنَّكَ يا يَزيدُ يا بنَ الأَفحَلِ
إِذ زُلزِلَ الأَقوامُ لَم تُزَلزَلِ
عَن دينِ مُوسى وَالرَسولِ المُرسَلِ
إِذا طارَ بِالناسِ قُلوبُ الضُلَّلِ
قَتلاً وَإِضراراً بِمَن لَم يُقتَلِ
وَكُنتَ سَيفَ اللَهِ لَم يُفَلَّلِ
وفي شعر جرير في مدح الحجاج بن يوسف الثقفي:
من سد مطلع النفاق عليهم
أم من يصول كصولة الحجاجِ!
منع الرشا وأراكم سبل الهدى
واللص نكله عن الإدلاج
يا رب ناكث بيعتين تركته
وخضاب لحيته دم الأوداجِ
ويقول في هجاء خصوم عبد الملك:
دعوت الملحدين أبا خبيب
جماحا هل شفيت من الجماحِ
ويقول في مدح عبد الملك:
لولا الخليفة والقرآن نقرؤه
ما قام الناس أحكام ولا جمعُ
أنت المبارك يهدي الله شيعته
إذا تفرقت الأهواء والشِّيعُ
يا آل مروان إن الله فضلكم
فضلًا عظيمًا على من دينه البدعُ
وقال جرير في هشام بن عبد الملك:
فيا ربِّ البرية أعط شكرًا
وعافية وأبق لنا هشاما
تباشرت البلاد لكم بحكم
أقام لنا الفرائض واستقاما
رأيت المنجنيق إذا أصابت
بناء الكفر هدَّمت الرخاما
وقال فيه:
فقلت لها الخليفة غير شك
هو المهديُّ والحكم الرشيد
فالشعر يدور على إثبات أن الحق مع الخليفة مع عيب أعداءهم.
وقال الفرزدق في يزيد بن عبد الملك:
غَلَبتُمُ الناسَ بِالحَقِّ الَّذي لَكُمُ
عَلَيهِمُ وَبِضَربٍ غَيرِ تَعذيرِ
وقال فيه:
أَرى الحَقَّ قادَ الناسَ مِن كُلِّ جانِبٍ
إِلَيكُم مِنَ الآفاقِ تُلقى رِحالُها
رَأَيتُ بَني مَروانَ أَفلَجَ حَقُّهُم
مَشورَةَ عُثمانَ الشَديدَ مَحالُها
وقال في يزيد:
أَراهُم بَنو مَروانَ يَومَ لَقوهُمُ
بِبابِلَ يَوماً أَخرَجَ النَجمَ بادِيا
بَكَوا بِسُيوفِ اللَهِ لِلدينِ إِذ رَأَوا
مَعَ السودِ وَالحُمرانِ بِالعَقرِ طاغِيا
ضَرَبتَ بِسَيفٍ كانَ لاقى مُحَمَّدٌ
بِهِ أَهلَ بَدرٍ عاقِدينَ النَواصِيا
ويرى أن الثائرين على الحجاج كجند إبليس:
لَقَد ضَرَبَ الحَجّاجُ ضَربَةَ حازِمٍ
كَبا جُندُ إِبليسٍ لَها وَتَضَعضَعوا
أَضاءَ لَها ما بَينَ شَرقٍ وَمَغرِبٍ
بِنورٍ مُضيءٍ وَالأَسِنَّةُ شُرَّعُ
وَخَرَّت شَياطينُ البِلادِ كَأَنَّها
مَخافَةَ أُخرى في الأَزِمَّةِ خُضَّعُ
(إِذا حارَبَ الحَجّاجُ أَيَّ مُنافِقٍ
عَلاهُ بِسَيفٍ كُلَّما هُزَّ يَقطَعُ

ويقول في مدح عبد الملك بن مروان:
إِذا لاقى بَنو مَروانَ سَلّوا
لِدينِ اللَهِ أَسيافاً غِضابا
صَوارِمَ تَمنَعُ الإِسلامَ مِنهُم
يُوَكَّلُ وَقعُهُنَّ بِمَن أَرابا
(بِهِنَّ لَقوا بِمَكَّةَ مُلحِديها
وَمَسكِنَ يُحسِنونَ بِها الضَرابا
ويقول في مدحه:
تُراثَ عُثمانَ كانوا الأَولِياءَ لَهُ
سِربالَ مُلكٍ عَلَيهِم غَيرَ مَسلوبِ
ومركزية عثمان وأحقيته وكون الأمويين امتدادا له وأنهم على الحق في الشعر الأموي طاغية دائما، فيقول الفرزدق:
هُداةً وَمَهدِيِّينَ عُثمانُ مِنهُمُ
وَمَروانُ وَاِبنُ الأَبطَحَينِ المُطَيَّبُ
ويقول:
إِنّا لَنَرجو أَن تُعيدَ لَنا
سُنَنَ الخَلائِفِ مِن بَني فِهرِ
عُثمانَ إِذ ظَلَموهُ وَاِنتَهَكوا
دَمَهُ صَبيحَةَ لَيلَةِ النَحرِ
وَدِعامَةِ الدينِ الَّتي
اِعتَدَلَت عُمَراً وَصاحِبَهُ أَبا بَكرِ
وَاِبنَي أَبي سُفيانَ إِذ طَلَبا
عُثمانَ ما باتا عَلى وِترِ
وَأَبا أَبيكَ لِكُلِّ جائِحَةٍ
مَروانَ سَيفَ الدينِ ذا الأُثرِ
وابني أبي سفيان هما معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية
وفي مدح الحجاج بن يوسف وربط شخصيته بعثمان:
أَميرَ المُؤمِنينَ وَقَد بَلَونا
أُمورَكَ كُلَّها رُشداً صَوابا
تَعَلَّم إِنَّما الحَجّاجُ سَيفٌ
تُجَذُّ بِهِ الجَماجِمَ وَالرِقابا
هُوَ السَيفُ الَّذي نَصَرَ اِبنَ أَروى
بِهِ مَروانُ عُثمانَ المُصابا
إِذا ذَكَرَت عُيونُهُمُ اِبنَ أَروى
وَيَومَ الدارِ أَسهَلَتِ اِنسِكابا
عَشِيَّةَ يَدخُلونَ بِغَيرِ إِذنٍ
عَلى مُتَوَكِّلٍ وَفّى وَطابا
خَليلِ مُحَمَّدٍ وَإِمامِ حَقٍّ
وَرابِعِ خَيرِ مَن وَطِئَ التُرابا
فَلَيسَ بِزايِلٍ لِلحَربِ مِنهُم
شِهابٌ يُطفِؤونَ بِهِ شِهابا
واستخدموا في وصف خلفاءهم لقب «الإمام» و «المهدي» و «خليفة الله» و «إمام الهدى» و«أمين الله» ويوصف مروان بن الحكم بـ «سيف الدين».
ولم يفرقوا في بين خصومهم في بداية العهد الأموي في الفتنة الأولى أو الثانية أو متأخريهم، فوصفوا بالمنافقين والكذابين، ورؤوس الفتنة والملحدين والمبتدعين، والملعونين ولم يجدوا حرجا في شتم بعض الشخصيات التي تتمحور عليها الفرق الأخرى إن هم عادوهم.
فالأمويون لا يسلمون بالصورة التي اتهمهم بها خصومهم… فضلا عن أن يحثوا الرعية على قبول حكمهم لمجرد الجبر!
وإنما جاء القدر في الدعاية الأموية كأمر زائد يحمل دلالة على أن الله ينصر المستقيمين وأهل الحق من عباده وهو معنى قرآني أصالةً «إن تنصروا الله ينصركم».
يقول الفرزدق في عبد الملك:
إِذا الحُروبُ بَدَت أَنيابُها خَرَجَت
ساقا شِهابٍ عَلى الأَعداءِ مَصبوبِ
فَالأَرضُ لِلَّهِ وَلّاها خَليفَتُهُ
وَصاحِبُ اللَهِ فيها غَيرُ مَغلوبِ
وصاحب الله الذي يقوم بأمره، بمعنى أن الله ينصر من يقوم بأمره ويكون على الحق -حسب الدعاية الأموية- يتضمن معنى قرآنيا حيث يقول الله في كتابه:«إني جاعل في الأرض خليفة…»
وقد مدح الفرزدق الحجاج بن يوسف بقوله:
تَهونُ عَلَيكَ نَفسُكَ وَهوَ أَدنى
لِنَفسِكَ عِندَ خالِقِها ثَوابا
فَمَن يَمنُن عَلَيكَ النَصرَ يَكذِب
سِوى اللَهِ الَّذي رَفَعَ السَحابا
تَفَرَّد بِالبَلاءِ عَلَيكَ رَبٌّ
اذا ناداهُ مُختَشِعٌ أَجابا
وهو أيضا مجاراة لمعنى قرآني: «وما النصر إلا من عند الله».
فالأمر لم يكن متعلقا بالقدر والجبر بقد ماهو متعلق بادعاءات نصر إلهي لا تختلف حتى مع شعر بقية الفرق من شيعة وخوارج وغيرهم يرد فيها إيحاءات بنصر الله متعلقة بالقدر وهي من المعاني التي رددها خليفة القدرية نفسه، أي يزيد بن الوليد الناقص في خطبته:
وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد بحول الله وقوته لا بحولي ولا بقوتي.
يزيد الناقص
والأهم من ذلك أن المادة المؤيدة للأمويين لا تأتي على ذكر القدر كتبرير لأعمال مشينة! بل تأتي في سياق أن الله نصر الحزب الذي ينصر الله!
ثم ما مدى الطفولية والسذاجة اللذان يجب أن يتزيا بهما عقل المرء لكي يصدق بأن سياسيا يعترف بأن أفعاله غير صحيحة وغير شرعية حتى يلجأ للجبر مبررا؟
فالصواب أن الأمويين صوروا خصومهم بنفس الطريقة التي صورهم بها هؤلاء الخصوم، وصورا أنفسهم على نمط مشابه لتصوير الشيعة/ الخوارج مثلا لأبطالهم، فهم لم يحتاجو إلى الجبر في مثل هذا.
- كتاب القدر، الفريابي، ص١٠١ ↩︎
- كتاب التعازي، علي بن محمد المدائني، ص٨٢ ↩︎
- تاريخ الطبري ج٥، ص١٠٧ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٥، ص٣٩٩ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٦، ص٢١٧ ↩︎
- مسند أحمد بن حنبل، برقم ١٥٩٠٥ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٧ ص٢٧٥ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٧ ص٢٧٦ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٥، ص٤٦١ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٥، ص٥٢٢ ↩︎
- تاريخ الطبري، ج٦، ص١٤٨ ↩︎
- تاريخ دمشق، ج١٢، ص١٢٠ ↩︎
