عابد الجابري لما وصف الأمويين بالجبرية جاء بمصادر من:
- المعتزلة الذين اتخذوا موقفا متقاربا مع الشيعة في العصر العباسي لأسباب سياسية، ومن ثم أرادوا أن تكون مقالتهم الكلامية محورا للصراع في الماضي. وقد قرأت في بعض مصادرهم أنهم ينسبون بعض عقائدهم لشخصيات متقدمة جدا مثل علي بن أبي طالب وابنه محمد بن الحنفية والحقيقة أن عقيدتهم متأخرة عن ذاك الزمن. وهذا يؤكد أن القوم مولعون بجعل أقوالهم الكلامية محورا للتجاذبات. وكان من المعتزلة قبل ذلك من يميل للأمويين ويصوب معاوية في حربه مثل أبوبكر الأصم.
- مصادر أدبية غالبا متأخرة وبدون أسانيد أساسا. ولو تعلقنا بهذه الحالة (السايبة) كلنا نسبنا كل ما نريد لكل من نريد. واذا أردنا إثبات أي شيء بهذا الأسلوب فسنثبته.
- تعلق بكلمات من قبيل: قضى الله، شاء الله، جعلنا الله.وهذه ألفاظ إسلامية طبيعية إذ كان جميع الولاة يستخدمونها.
بل هي ألفاظ قرآنية ومن غباء بعض الحداثيين أنهم نسبوا معاوية للقول بالجبر لأنه قرأ الآية: “قل اللهم مالك الملك…” فهل كان القرآن جبريا؟
بل إن معتزليا مثل أبي الحسن المدائني كان يروي عن علي قوله للأشعث بن قيس:
«إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور؛ وإن جزعت، جرى عليك القدر، وأنت مأزور».
وأبو مخنف يروي باسناده أن الحسين بن علي قال لأحدهم:
«يا عبد الله، إنه ليس يخفى علي، الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره»
ثم إن هؤلاء يقولون أن الأمويين استخدموا الجبر لتبرير ما حصل مما أخذ عليهم، وهم يعتقدون أيضا بأن قتل الحسين كان أكبر رزية للبشرية، فهل استخدم يزيد بن معاوية الجبر؟
والواقع أن يزيد لما أتي بأهل الحسين بعد مقتله استشهد بالآية:
«وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير» [ سورة الشورى الآية 30]
وهذه الآية أبعد ما تكون من الإشتباه بكلام الجبرية.
وفي نفس الموقف قرأ علي بن الحسين:
«ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» [سورة الحديد الآية: ٢٢]
وبرر عبيد الله بن زياد أمره مع الحسين بقوله:
«أما الحسين فإنه سار إلي يريد قتلي، فاخترت قتله على أن يقتلني» فهل استخدم الجبر هنا؟
فحتى وفق أسلوب القوم في الاستشهاد بالآيات يمكن أن ننفي ذلك عنهم!
بالمحصلة لو تابعنا المعتزلة على كل ما قالوه عن الماضي فلن يخدمك كمتشيع، مثلا كن ذكيا وانظر في رد ابن أبي الحديد على ما نسبه النظام لعلي، وتأمل في اتهامات النظام! أتعجبك؟
ثم إذا كانت الجبرية تستفزك -وهي مستفزة فعلا- فلماذا لم تستفزك عند كل أحد؟
كان ثور بن يزيد الكلاعي وهو شامي من القدرية يميل لمعاوية ويفضله على خصومه السياسيين، وذكر الجاحظ أنه يحتج لمعاوية، وهو مع ذلك قدري شامي!
ثور بن يزيد لم يمر عليه أبدا أن معاوية نشر الجبرية كما يدعي بعض المتهوكين في الوهم.
بل إن الجاحظ يصف الغيلانية وهم قدرية الشام (نسبة لغيلان الدمشقي) بأن لهم ميلا سفيانيا.
غابت عن كل هؤلاء…لكن التقطها حاطب ليل في القرن العشرين!
ومنهم أيضا أبو بكر الأصم عبد الرحمن بن كيسان، وهو بصري، كان يصوب معاوية في حربه وقد عده القاضي عبد الجبار في الطبقة السادسة من المعتزلة.
ولم يعلم أيضا بترهات الجبر.
