الشرطة والحرس في عهد معاوية

محمد بن ناجم

شارك المقال:

مقالة مُعربة من كتاب The Armies of the Caliphs لمؤلفه Hugh Kennedy

شَهِدَ عَهدُ مُعَاويَةَ تَطَورَ الشُّرطَةِ والحَرَس وَقِيامَهُما كَمُؤسستَين. هُناكَ شَذّراتٌ تَذكُرُ الشُرطَةَ -أو باستخدام الجَمع، الشُّرَط- مُنذُ عَهدِ عُثمَان. وَقد تَعنِي اللَفظَةُ في الأَصل “الجُند المُختارة”، ولَكنَّ استِعمَالَها تَطَوّرَ حتى اُستُخدِمَت للشُّرطَةِ وقُواتِ الحِراسَة. سَنَةَ 33 للهِجرَةِ (653/654م) قِيلَ إنَّ والِيَ الكُوفَةِ، سَعِيدَ بنَ العاص أوَّلُ مَن اتَّخَذَ صاحِبَ شُرطَةٍ، وَكانَ ذلك عَبدَالرحمَن الأسَدِيَّ، أوَّلَ مَن أشرَطَ1 نَفسَهُ في الإسلامِ، عَلى ما قِيلَ. كانَ لِعَليٍّ قَيسُ بنُ سَعدٍ على شُرَطِهِ بَعدَما أقبَلَ مِن صِفين، وأمَرَ مُعَاويةُ بِالحَرَسِ والشُرطَةِ تُلازِمُهُ ليلَ نَهارٍ بعدما باءَت مُحاوَلَةُ اغتِيالِهِ بِالفَشلِ سَنَةَ أربعين (661م). أَمّا أسماءُ قادَةِ شُرَطِ الخَليفة فيبدو أنَّ العَرَبَ غَالِبُونَ عَليها، بَينَما قُوّادُ الحَرَسِ (أصحابُ الحَرَس) عَلَى النَّقيضِ كانوا مِن العَجَمِ المَوالِي.

في عَهدِ مُعَاوِيَةَ لَدينَا دَليلٌ واضِحٌ على تَطَوّرِ نِظامِ الشُرطَةِ بَعدَ الأحداثِ فِي العِراق. قِيلَ إنَّ لعَبدِاللهِ بنِ عَامِرٍ -الذي وَلِيَ البَصرَةَ سنة 41 (661/662م)- شُرطَةً. وَفي إمرَةِ المُغيرةِ بنِ شُعبَةَ بالكُوفَةِ بَدَأَت تَتَضِحُ أعمالُ الشُّرطَةِ والحَرَس، إذ في سَنَةِ 43 (663) أحاطوا بِبَيتِ أحَدِ رُؤُوسِ الخَوارِجِ وَقَبَضُوا عَلَى المُتآمِرينَ مَعَه2. بَعدَ أن وَليَ زيادُ بنُ أبي سُفيان البَصرَةَ سنة 45 (665/666م) عَيَّنَ 4000 رَجُلٍ عَلى الشُّرطَةِ، وَكانَ هَؤلاءِ يُنفِّذُونَ الأمرَ ويَرعَونَ النِّظامَ ويَشُدُّونَ في الحَظرِ3. وكانَتِ الشُّرطَةُ مَن اعتَقَلت حُجرَ بنَ عَدِيٍّ سَنَة 51 (671/672م)، وكذَلِكَ الشُّرطَةُ بِقيادَةِ حُصَينِ بنِ تَميمٍ قَدِ اشتَرَكَت في مَقتَلِ حُسَين بنِ عَلِيٍّ في كَربَلاءَ سنة 60 (680م). وكَان لِعُبَيدِالله بنِ زيادٍ شُرَطَةٌ مُدَجَّجَةٌ بِالسُّيوفِ في حَضرَتِهِ، وأَمكَنَهُ ثَلاثُونَ مِمَّن كانوا في قَصرِهِ في الكوفَةِ سنة 60 (660م) مِن قَمعِ شِيعَةِ مُسلِمِ بنِ عَقيلٍ يَومَ أحدَثَ فِتنَةٍ. وعِندَما أَغارَ عُبَيدُاللهِ بنُ الحُرِّ على سِجنِ الكُوفَةِ بالفُؤوسِ والكَلالِيبِ ليَفُكَّ زَوجَهُ، كانَتِ الشُّرطَةُ4 مَن قَمَعَتهُ. وَكان للشُّرطَةِ يَدٌ في مَراسِيمِ الوالِي، وَاستَنَّ فِيهم زيادٌ المَشيَ بَينَ يَدَيهِ بالرِّماحِ. وَلا شَكَّ أنَّهُم تَسَلَّحُوا بِالسُّيوفِ، وَلَكِن ما امتازوا بِهِ هُوَ العَصا “العَمُود” التي استَخدَموها لِقَمعِ شَغَبِ العَامَّةِ. قائِدُ الشُّرطَةِ الذي كانَ دائِماً من قَبائِلِ العَرَبِ، سُمِّيَ بأميرِ الشُّرطَةِ أولاً حتّى شَاعَ استِعمالُ اسمِ صاحِبِ الشُّرطَةِ. كما اتّخَذَ زيادٌ حَرَساً “رابِطَة” عُدَّتُهُم 500 كانوا لا يَبرحُونَ المَسجِدَ.

لَمَّا انقَضَت أيَّامُ مُعَاويَةَ أصبحتِ الشُّرطَةُ والحَرَسُ أهَمَّ فِرقَتَين مِن فِرَقِ العَسكَرِ، وعُنصُرَينِ أساسِيَّينِ في جِهازِ الحُكومَةِ الإسلامِيَّة. كانَ قُوَّادُ شُرطَةِ الخَليفَةِ وحَرَسِهِ (صاحِبَ الشُّرطَةِ وصاحِبَ الحَرَسِ) مِن أهَمِّ رِجالِ الدَّولَةِ زَمَنَ بَني أُميَّةَ وأوائِلِ عَهدِ بَنِي العَبَّاسِ. وَلِكُلِّ العَواصِمِ الكُبرى شُرطَةٌ خاصَّةٌ، وصَاحِبُ شُرطةٍ يُعيِّنُهُ الوَالي مِن أعيانِ ذلِكَ القُطْر. وَيَصِحُّ القَولُ إنَّهُم كانٌوا القُوّاتِ الوَحِيدَةَ دائِمَةَ التَفَرُّغِ لِلخَليفَةِ والوَالِي.

  1. والاشْتِراطُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي يَجْعَلُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ. وأَشْرَط فُلَانٌ نفسَه لِكَذَا وَكَذَا: أَعْلَمها لَهُ وأَعَدَّها؛ وَمِنْهُ سُمِّيَ الشُّرَطُ لأَنهم جَعَلُوا لأَنفسهم عَلَامَةً يُعْرَفُون بِهَا، الْوَاحِدُ ‌شُرَطةٌ وشُرَطِيٌّ. لِسانُ العَرب. ↩︎
  2. تُجادِلُ كرون عَلى أنَّ الشُّرطَةَ لَم تَكُن قُوَّةً مَدَنِيَّةً، بَلِ الذِّراعَ العَسكريَّ الذي يُحِيطُ بالخَليفَةِ أو الأمِيرِ أو القَايدِ في المَعرَكَةِ، وهم بإمرَةِ قايدٍ مَسؤولٍ عن ضَبطِ النَّفسِ، واستِماعِ الشَّكَاوى، وإنزالِ العُقُوباتِ “أَمرَ العَسكَرِ”. وَيبدُو أنَّ الشُّرطَةَ قَد عَمِلَت في المَيدانِ والمَدِينَةِ. ↩︎
  3. وحَظَرَ عَلَيْهِ حَظْراً: حَجَرَ ومَنَعَ. لِسانُ العَرب. وفي خُطبَةٍ تُنسَبُ لِزياد بنِ أبي سُفيان أنَهُ قَالَ:”… فإيايَ ودَلَجَ اللَيل، فإني لا أُوتَى بِمُدلِجٍ إلا سَفَكتُ دَمَه”، ودلج: الدُّلْجَةُ: سَيْرُ السَّحَرِ. والدَّلْجَةُ: سَيْرُ اللَّيْلِ كلِّه. لِسانُ العرب ↩︎
  4. صاحِبُ شُرطَةِ المُختارِ، واسمُهُ ابنُ كامِلٍ ↩︎

مقالات مشابهة